الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية

            جمعية علمية غير ربحية مرخصة من وزارة الداخلية بموجب علم وخبر رقم 3617/2

 

دراسات نفسية

نشرة تصدر عن الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية

 

 

 

نشرة فصلية خاصة تصدر عن الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية / عدد سبتمبر- ايلول 2002

 

إفتتاحية العدد

       الزميل العزيز،

                يطل عليك هذا العدد بجملة مستجدات أولها ظهور الجمعية ونشرتها على شبكة الانترنت. حيث تحل ضيفة على صفحة مركز الدراسات النفسية الالكترونية. وحيث بإمكان القراء الاطلاع عليها عبر صفحة المركز الرئيسية وعنوانها: www.filnafs.com  (في النفس). و: www.psyinterdisc.com  و www.drnaboulsi.com  و www.psychiatre-naboulsi.com  وعنوان المركز العربي للدراسات المستقبلية : www.mostakbaliat.com .

كما يتضمن هذا العدد عرضا" لنشاطات أعضاء الجمعية و تقريرا" عن الدورة التدريبية على العلاج الواقعي وبرنامج موسم الدراسات النفسية للعام 2003 اضافة للابواب الثابتة لهذه النشرة.

 

نشاطات الأعضاء

الدكتورة سلمى المصري دملج

-       دراسة حول البوال عند الأطفال / مجلة التربية قطر ، عدد صيف 2002.

-       دراسة تأريخية لتطور علم النفس في الوطن العربي / مجلة شؤون إجتماعية ، خريف2002.

-       كتاب " الاسقاط في دراسة الشخصية" / منشورات مركز الدراسات النفسية 2002.

الدكتور جليل شكور

-       قراءة نقدية لرواية فرار انتصار / جريدة الأنوار.

الدكتورة روز ماري شاهين

الدكتور حسن الصديق

-       مقابلة تلفزيونية حول موقف الاهل من زواج الابناء /  العالمية art.

الدكتور يوسف كفروني

الدكتور علي زيعور

 

دورة التدريب على العلاج الواقعي

       أقام مكتب الانماء الإجتماعي / الديوان الأميري - الكويت بالتنسيق مع مركز الدراسات النفسية والنفسية - الجسدية دورة تدريبية على العلاج النفسي الواقعي وفق أسلوب التعامل مع الذات. الذي يعتبر تقنينا" عربيا" للعلاج الواقعي. وشارك في تدريب المشاركين البروفسور بشير الرشيدي ، واضع أسلوب التعامل مع الذات، والدكاترة فهد عبد الرحمن الناصر و بدر بورسلي.
    إستضافت الدورة  جامعة المنار بطرابلس برعاية رئيس مجلس أمنائها دولة الرئبس عمر كرامي. وتضمنت الدورة ثلاث حلقات. وشارك فيها جميع أعضاء الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية.

مقالة العدد

إحياء المعنى : في المرض النفسي و الحياة

أ.د. يحيى الرخاوي

 

    هل للمرض النفسي معنى؟ وهل ثمة دلالة لأعراضه ؟ وهل للحياة معنى؟ وهل ثمة جدوى من استمرارها؟ كان أستاذنا المرحوم الدكتور مصطفى زيور يعلمنا انه .. إن في الجنون لعقل، وكان يوسف إدريس يقول لي إن المريض النفسي والمبدع مثل ناضورجية السفن الشراعية قديما، كان الواحد منهم يتخذ مجلسه أعلى ساري شراع السفينة، وهو ينظر بعينيه، أو يمسك منظاره، ليرى السفن الغريبة التي تقترب من السفينة، لعلها سفينة قرصان على وشك الانقضاض، فينبه الربان والركاب ليستعدوا للخطر القادم، ويضيف يوسف إدريس أن المبدع والمجنون كلاهما عيون للمستقبل، يكشفون بصرختهم عن رؤية ضرورية تحذر وتبصر الربان والركاب بما ينتظرهم، وما ينبغي أن يستعدوا له،. المبدع يطلق صيته ويتماسك، وهو أعلى الساري، أما المريض فهو يفقد توازنه وهو يطلق صرخته فيقع من أعلى، لكن تطل صيحته نذيرا مفيدا سواء لحقناه فأنقذناه شاكرين، أم فثملنا في ذلك، (التفرقة الأخيرة من عندي)

    تطالعنا الصحف بشكل متزايد بأحاديث و مقالات عن المرض النفسي، كان أحدثها ما نشر بصفحة قضايا وآراء يوم السبت الموافق 26 أغسطس الماضي لأشكر الزميل الفاضل كاتبه على حسن النية، ومحاولة تحديث معلومات القارئ بما رأى أنه يفيد، لكنني حين تقمصت قارئا مريضا، أو قريبا لمريض، أو يمكن أن يمرض لا قدر الله، يوما ما، وجدت لزاما أن أتقدم بما أعرف أملا في توازن ما.

أولا: إن للمرض النفسي أسبابه، لكنها ليست بهذا الاختزال الشائع فعلى الرغم من كل الجهود العلمية المتواصلة فمازالت أسباب المرض النفسي مجهولة عامة، اللهم إلا من ملاحظات حول ارتباطات محتملة، قد تسهم في ظهور بعض الأمراض، يسرى هذا الشك في حقيقة الأسباب على ما قال به فرويد، وشاع بين العامة وبعض التحليليين تبريرا وتسويقا، كما يسرى مؤخرا على ما تروج له شركات الدواء من حكايات كأنها العلم عن مسئولية موصلات كيميائية نيورونية خاصة باعتبارها سبب المرض، ناهيك عن اختزال الأمر إلى الفقر، والضوضاء والحروب، والحياة المالية. ثم دعوة إلى حياة أفضل.

ثانيا: إن فروضا أحدث تربط ظهور نسبة حتمية من الأمراض النفسية بحركة النمو ومغامرة الإبداع، أي أنها تعتبر المرض النفسي بمثابة ضريبة حركة النمو والتطور ومحاولة الاختلاف، ومادام الإنسان دائم السعي للتغيير والتطور والإبداع، فإنه معرض لمضاعفات الحركة، مثل كل حركة، والقياس، مع الفارق، نذكر أن حوادث الطرق هي ضريبة أننا نستعمل السيارات، فلكي تمنع حوادث الطريق تماما، لابد أن نوقف سير السيارات تماما، إن كل ما نستطيع عمله هو أن نقلل من السرعة، ونمهد الطرق، ونحكم المراقبة، فتقل الحوادث مع استمرار الحركة وتحمل مضاعفاتها الحتمية، ثم الاستفادة منها لتعديل نظم المرور! الخ

ثالثا: مادامت الأسباب ليست محددة تماما أو مرتبطة بأمراض بذاتها، فإن التركيز على معرفتها بديلا عن فهم مغزى الذي حصل، يجعلنا في موقف التبرير والاجترار، أكثر من موقف المواجهة والتجاوز، إنه لا يكفي أن نتساءل "لماذا "، بل ينبغي أن ننطلق إلى إذن ماذا؟ يسرى هذا على المرض النفسي، كما يسرى على هزيمة 1967 أيضا يسرى على انتشار ظاهرة الغش الجماعي في الامتحانات، وكذلك على نقص السيولة!

رابعا: إن الطب النفسي قد عانى قبل غيره من مضاعفات اللغة الواحدة (التي تدرج حديثا تحت مقولات العولمة، والشفافية، واتفاقية الجات وغيرها)، وذلك أن محاولة توحيد المصطلح لحساب أيديولوجية الاختزال، ولمصلحة شركات الدواء (ثاني لوبي سياسي في أمريكا والعالم) قد بدأت في الطب النفسي من قديم وتوحيد المصطلح لا يعنى بالضرورة سبر غور المعنى والدلالة، و إنما هو يركز على الاتفاق على "تسمية" علامات معينة باسم متفق عليه، مثلا على إطلاق اسم الفصام على علامات كذا وكيت (واحد اثنين ثلاثة.. الخ) وهذا لا يعنى أننا اتفقنا على معنى مختلف أنواع هذا المرض ومساره ومآله وعلاجه. بل إن الرأي الأحدث يقول إن ثمة فصامات عديدة لأنواع لفصام واحد، توحيد المصطلح هو مجرد اتفاق لأغراض إدارية و إحصائية.

خامسا: إن القول بأن أهم ما حدث من تطوير في الطب النفسي على مدى القرن العشرين هو إزالة الغموض الذي ظل يحيط بالأمراض النفسية لوقت طويل، وكشف أسبابها بما يساعد على وضع أساليب العلاج.. الخ فهو قول فيه قدر كبير و خطير من التفاؤل المشكوك في موضوعيته.

ذلك لأن كل الأمراض النفسية ما عدا مجموعة ضئيلة جدا من الأمراض الناتجة عن سبب عضوي محدد مثل حمى الدماغ أو ورم في فص بذات من الدماغ أو ضمور ثابت في النيورونات) مازالت أسبابها المحددة مجهولة

سادسا : إن القول إن الفضل في وضع أساليب العلاج بناء على معرفة الأسباب يرجع.. إلى الاختراعات التي ساعدت الأطباء على اكتشاف تركيب المخ والجهاز العصبي وفهم كيمياء المخ. إلخ) له ردود منها:

(1) إن الاستقصاءات والبحوث الحديثة مثل رسام المخ الكهربي والتخطيط بالكمبيوتر (التشريحي والوظيفي.. الخ) لم تضف إلا أقل القليل إلى المعلومات التي تفسر المرض النفسي (عدا ندرة عضوية بحتة)

(2) إن تشخيص المرض النفسي مازال يعتمد أساسا على المشاهدة الإكلينيكية الدقيقة، وكل هذه الفحوصات ليست فحوصا تشخيصية ضرورية في كل الحالات.

سابعا: إن الأرقام التي تنشر عن المرض النفسي ينبغي أن تكون أكثر تفصيلا وأدق تحديدا فمثلا القول بأن تواتر حالات القلق النفسي يتراوح بين

20% إلى 30% ينبغي أن يبين المقصود بحالات القلق. هل هو القلق بمعنى المرض؟ أم بمعنى عرض ضمن أعراض مرض آخر؟ أم هو القلق الموقفي لظروف تستدعى القلق وكيف يمكن تميزه من القلق الدافع للحيرة الخلاقة والمراجعة والنقد والإبداع.

ثامنا: إن الزعم بأن الأجيال الجديدة من الألوية النفسية تمثل بلا شك تقدما ملحوظا.. حتى القول بأنه قد زالت فرص شفاء مرض الفصام من 25 % في أحسن الأحوال إلى 70% حاليا باستخدام العقاقير الجديدة المضادة للذهان هو زعم يحتاج إلى تدقيق ومراجعة ومتابعة علمية، صحيح أن ثمة ألوية حديثة أضافت فرصا جديدة لبعض الأمراض الأصعب التي لا تستجيب إلى الأدوية التقليدية أو التي تعانى من الأعراض الجانبية للأدوية التقليدية لكنه صحيح أيضا كل ما يلي:

(1) إنه لا يوجد مرجع علمي موضوعي واحد أقر هذه النسبة هكذا (من 25% إلى 70%).

(2) إن أغلب هذه الأدوية الحديثة تفخر فخرا شديدا حين تزعم (أو تثبت) أن لها نفس قدرات الأدوية القديمة، كل ما في الأمر أنها تزعم أن لها أعراضا جانبية أقل.

(3) إن فمن هذه الأدوية الحديثة يصل إلى عشرات الأضعاف (وأحيانا أكثر من مائة ضعف) حيث يصل ثمن بعضها إلى مئات الجنيهات للعبوة العالية وأغلب المرضى يتعاطون هذه العقاقير لعدة شهور أو عدة سنين أو طول العمر. من أين يأتي بالثمن وإلى متى؟

(4) إن التلويح بمثل هذه الإشارات للعريض وأهله مع اليقين بالعجز عن الحصول عليها بسبب الفقر، يزيد من آلام المريض وأسرته، لأنه يصور لهم أنه لو كان أكثر قدرة، أو كانت الدولة توفر رعاية لشفي بهذا الدواء الجديد .

وينسى أن المرض مزمن، وأن نسبة معينة لا تشفي لا بالقديم ولا بالجديد إذا لم نعتن بالتأهيل وغير ذلك.

و بعد،

   إن الإنسان كان ومازال وسيظل في حاجة إلى المضي إلى هدف عام إلى سعى لا ينفي الألم ابتداء، وتماما.

إن المريض الفصامي حين يحطم لغته بتناثر فكره إنما يعلن أن لغتنا- نحن الأصحاء كما نتصور- قد أصبحت لا تفيده في توصيل ما يملأ وعيه، أو يرتقى بإنسانيته.

إن المريض الاكتئابى حين ينسحب أو يتوقف متألما يذكرنا بان البلادة لا تفيد. إن المريض القلق حين يحتار بين الاختيارات إنما ينبهنا إلى ضرورة مراجعة مزاعم حرية زائفة، أو يحذرنا من الاستسلام لإجابات جاهزة دون تحمل مسؤولية الأسئلة الرائعة المفيقة.

إن العقاقير مهمة جدا، وهي هدية العلم إلى الأطباء والمرضى شريطة أن نتذكر أنها مجرد وسيلة تسمح لنا بإحياء المعنى وتحديد الغاية والرقى بالوجود مز خلال مغامرة الإبداع، والكدح إلى التناسق الإيماني. يوجد علاج يسمى العلاج بإحياء المعنى أتمنى أحيانا أن نعالج به الأسوياء قبل المرضى.

إننا نمرض علي نفس المسار الذي نخطو عليه ونحن أصحاء وبنفس القيم كيفما تكون قيم الناس الحياتية تصاغ ما يسمى صحتهم النفسية، وبالتالي : كيفما يكون الناس: يمرضون فحين تستشري قيم الاستسهال واللذة العاجلة ينتشر الإدمان والهرب في اللذة الحسية ضد المجتمع وحين تضعف علاقتنا بالطبيعة ودوراتها ومواكبتنا لحركة الشمس والقمر، والشروق والغروب والمد والجزر تختفي الأمراض الدورية، والنوابية لتحل محلها الأمراض؟ واضطرابات الشخصية والتدهور المزمن. وحين تختفي الحيرة الخلاقة واحتمال الاختلاف والصبر على الغموض لتحل محلها ألعاب التسلية البراقة والوجبات السريعة، تختفي بدورها حالات القلق العام المتماوج ليحل محلها نوبات الهلع، والأغراض النفسية اللزجة.

وحين نعالج مشاكلنا الاقتصادية بمزيد من ضخ الأموال في دوائر أصحابها اللي فوق لون أن تضخ في نوعية حياة عامة الناس، نعالج أمراضنا بمزيد من ضخ الكيماويات لإخفاء الأعراض دون تحسين نوعية الوجود أو تنمية الإبداع أو إطلاق القدرات.

 الزحف الكمي الاغترابي يمتد إلى كل مجال واليقظة واجبة، لكن الفرصة مازالت متاحة أخيرا هل لنا أن نحاول حسن الاستماع إلى ما تقوله أعراض المرض النفسي حتى إن لم نعرف أسبابه تحديدا؟ هل يمكن أن يكون فيما يقوله المريض النفسي صيحة إنذار إن لم تنفع المريض فقد توجه خطانا إلى حياة أفضل وترحم مرضانا من اختزال أقسى.

هل لنا أن نحسن الإنصات إلى ما تقوله أعراض المرض النفسي، حتى إن لم نعرف أسبابه تحديدا؟ هل يمكن أن يكون فيما يقوله المريض النفسي صيحة إنذار إن لم تنفع المريض فقد توجه خطانا إلى حياة أفضل وترحم مرضانا من اختزال أقسى.

هل لنا أن نحسن الإنصات إلى معنى أزمة السيولة وليس فقط إلى أسبابها.

هل نحاول أن نفهم معنى الاندفاع الأعمى إلى زعم العودة إلى التدين دون المضي قدما كدحا إلى وجه الله؟

هل يمكن أن ندرك ماذا يعنى انضمام الشركات العملاقة إلى بعضها البعض ونحن نزعم أن سياسة السوق هي سياسة التنافس؟

إن البحث عن المعنى والدلالة لابد أن يهدينا إلى التصرف الممكن.

أما الاكتفاء بالبحث عن السبب لون إمكان إزالته، فقد يكون مجرد بكاء على لبن مسكوب.