مركز الدراسات النفسية م.د.ن.
قضايــا الإختصـــاص 

عودة الى الرئيسية

اصدارات المركز

مجلة المركز

اشترك في المركز

لائحة الاصدارات

لشراء اصدارات المركز واعداد ومجلدات مجلة الثقافة النفسية المتخصصة   .... إضغط هنا

السيكولوجيا وحوار الحضارات

الطب النفسي والعولمة

صورة العربي في المتخيل الغربي

الديموقراطية بين شارون والانتفاضة

إغتراب الطفل العربي

الكوارث العربية و الماضي المستمر

 

على طريق مدرسة نفسية عربية

Home

 

   
  
الصعوبات التي تعترض تفعيل الإختصاص وتطويره في المجتمعات العربية هي أصعب من أن تحصر أو تحدد. فحاجات المجتمع لا تنتظر خلاص الإختصاص من أزماته. إذ تتطلب هذه الحاجات حلولا" سريعة وفاعلة. فهي مثلها مثل المرض النفسي الذي ظهر دون ان ينتظر ظهور الشفاء النفسي. وهذا ما يبرر القول بأن كل حاجة من هذه الحاجات تشكل قضية بحد ذاتها.
و كانت مجلة المركز " الثقافة النفسية المتخصصة" قد أفردت بابا" ثابتا" بعنوان: قضية حيوية. بحيث كانت تطرح قضية في كل عدد من أعدادها. وكانت القضايا المطروحة متنوعة المشارب والتخصصات. فقد طرحت المجلة قضايا العلوم الانسانية العربية عامة. ولم تقف عند القضايا النفسية وحدها.
حتى إذا ما جاءت حوادث 11 سبتمبر وجدنا هذه القضايا تطرح بإلحاح أكبر وتتخذ أهمية متنامية. حيث تهمة الإرهاب توحه للعرب دون إستثناء خير مثال. فهذه التهمة تستند الى البراغماتية السلوكية. وبالتالي فإن التصدي لمناقشتها هو من مسؤوليات الأختصاصيين النفسانيين العرب.
المؤسف أن فكر الاختصاص منشطر بسبب توزع المتخصصين العرب على مدارس وتيارات اجنبية. دون مراعاة كافية لظروف البيئة والثقافة العربية.
لهذه الاسباب مجتمعة رأينا ضرورة تخصيص هذه الصفحة لطرح قضايا الإختصاص الأكثر إلحاحا" للنقاش على الزملاء من متصفحي هذا الموقع. ونرجو منهم ارسال تعليقاتهم وآرائهم حولها على بريد الموقع. حيث سيتم نشرها على هذه الصفحة.
اعلى هذه الصفحة عناوين القضايا المطروحة للمناقشة على هذه الصفحة.

 

 

العولمة والطب النفسي

أمراض نفسية تتحدى العولمة

 لا تخرج العولمة في كنهها عن كونها واحداً من بدائل المالتوسية. فالأولى تبدو كأنها تدفع العالم باتجاه صدام حضاري يحمل معه نهاية التاريخ، في حين تعدنا الثانية بنهاية  العالم بسبب تضافر أربعة عوامل هي : 1- الفقر. و2- الجوع. و3- المرض. و4- الحرب.

بل أن العديد من متأملي نهاية العالم ينظرون لأزماته نظرة تراكمية فيجمعون بين عناصر المالتوسية والعولمة ثم يضيفون إليها خوف الألفيات (نهاية الثانية وبداية الثالثة) حتى يبدو المشهد متشائماً ودافعاً للاكتئاب. وبما أن أخطار العولمة أكثر إثارة للخوف، بسبب حداثة وعيها، فإن الخوف منها يتخطى كل الحدود. فمن فيروسات الحاسوب التي قد تتسبب بكوارث نووية أو بيئية أو امراضية إلى مساهمة ثورة الاتصالات في انتشار أوبئة الإيدز وجنون البقر إلخ.

وإذا كان الشك قد تطرق إلى المالتوسية إلى حد وصفها بالخرافة (أو أقله إلى حد إدراك إمكانية تعويض عناصر نقصها) فإن هذا الشك لم يصل بعد للعولمة. حيث نشهد انشطار العالم إلى شطرين. أحدهما غني ومؤيد لها (وإن كان لبعض الأغنياء تحفظات حولها). والآخر فقير معاد للعولمة. وهو يكرر نقاط اعتراضه عليها بوتيرة رتيبة ومملة وتكرارية.

وكما يتبدى من عنوان مقالتنا فإننا نسعى لمقاربة الموضوع مقاربة علمية طبية. إلا أننا نقدم لهذه المقاربة بسؤال قد يبدو في غاية السذاجة وهو :

1-    العولمة هل هي إيديولوجية جديدة ؟

ويمكننا الإجابة على هذا السؤال بتساؤل أبسط منه وهو : هل تستمر الدول الغنية، وفي طليعتها الولايات المتحدة، في إصرارها على العولمة إن هي أساءت لاقتصادياتها ومصالحها ؟ ويأتينا الجواب من داخل الولايات المتحدة حيث صوت الكونغرس لسنتين متواليتين ضد مشروع إجراءات تسريع العولمة. وحيث خالف الرئيس كلينتون نظام السوق (وخرج على العولمة) بدعمه لصناعة الصلب الأميركية ! في المقابل نجد أن مؤتمر جامايكا (تجمع الدول الخمسة عشر التي هرولت نحو العولمة) يعلن خطوات تراجعية عن الانخراط في نظام السوق (والعولمة الاقتصادية). ومثله مؤتمر القاهرة الأخير.

والواقع أن العولمة لا يمكنها أن تكون، أو أن تتحول إلى، أيديولوجية لأنها وليدة فلسفة المنفعة (البراغماتية). حيث قيمة المعرفة (والنظرية) تتعلق بمقدار نفعها. وبالتالي فإن المعرفة تفقد كل قيمة عندما تتحول إلى ضارة اقتصادياً. وفي رأينا الشخصي أن هذا السؤال الساذج الذي طرحناه يوفر الكثير على معادي العولمة ونقادها. ويجعل موضوع العولمة أيسر فهماً بالنسبة لقطاعات واسعة من الجمهور.

2-    فلسفة العولمة

هل تستند العولمة إلى فكر ما ؟ أو أقله إلى نظرية معرفية ما ؟ ففي حال وجود خلفية فكرية ما لهذه العولمة فإن مناقشتها تصبح أكثر جدوى وتركيزاً. فتنأى بالمعارضين و المؤيدين عن الخوض في التفاصيل التي يكمن الشيطان في طياتها !

واختصاراً نقول بأن للعولمة خلفية فكرية تتمثل بنوع من الرؤية المعاصرة للبراغمايتة الجديدة. ونختصر مبادئها ببنود محددة  هي التالية :

‌أ-     إن الإنسان هو المقياس وسعيه للربح (القيمة) يتقدم أحكام الوجود لديه.

‌ب-   إن الإنسان هو المساهم الرئيسي في بناء الواقع وقولبته. ولمزاجه دور في ذلك.

‌ج-    إن الواقع هو مجموعة حقائق  هي من صنع الإنسان. والواقع لا يمكنه أن يكون ثابتاً أو نهائياً. بل أنه يتغير باستمرار ويمكننا التحكم بتغيراته عبر تحكمنا بصناعة الحقائق.

‌د-     احترام جميع المعتقدات ولكن مع تجنب الانزلاق في منزلقات التشيع الأديان خصوصاً (وربما من هنا صدام الحضارات) والحزبية (وربما من هنا نهاية الأيديولوجيا).

‌ه-     البعد عن الضيق والتعصب والعنصرية (وهي دفاعات لدى كافة الثقافات لا تهدف للعدوان بقدر هدفها الحصول على الاعتراف - وبالتالي فإن الابتعاد عنها يعني إلغاء كل خصوصية) حتى يتحول الإنسان إلى مواطن عالمي - أي أن يتعولَم.

وهذه المنطلقات النظرية المبسطة والمختصرة يمكنها أن تشكل قاعدة للحوار بين مؤيدي ومعارضي العولمة بعيداً عن التفاصيل التي حولت الموضوع إلى الملل.

3-    الطب النفسي معادي للعولمة

إن الأطر والمبادئ الأخلاقية العامة المحددة للاختصاص والمتحكمة في ممارسته يدفعان بالطب النفسي إلى مواقف معارضة حادة للعولمة. ولنبدأ باستعراض هذه المبادئ :

‌أ-     يرفض الطب النفسي، رفضاً قاطعاً، المبدأ الروماني (القائل بضرورة الجنون في مجتمع المجانين) ويصر على النظر للمضطرب كإنسان يحتاج إلى علاج ويحذر الطب النفسي من نشر هذا المبدأ (عن طريق ثورة الاتصالات أو العولمة أو غيرها) لأن أبسط نتائجه ستكون بتشجيع البحث عن السعادة عن طريق تعاطي المخدرات.

‌ب-    لقد تم إقرار الطب النفسي كوسيط مفصلي بين الطب وبين الإنسانيات. وبهذا الإقرار تم اعتماده حكماً في الإشكاليات الأخلاقية. من أطفال الأنابيب لغاية الاستنساخ البشري. وبات لحكمه الرأي المقرر في هذه المواضيع. فتجاهل أحكامه الأخلاقية يؤدي للصدام مع الأنثروبولوجيا الثقافية ومع الأديان. حتى أن السياسة نفسها تقف عاجزة أمام هذه الأحكام. بدليل وقف الرئيس كلينتون أي دعم للأبحاث الجينية بانتظار البت بأخلاقياتها.

‌ج-    أن رفض الطب النفسي للمبدأ الروماني يعكس احترامه لقدرات العقل البشري الإبداعية. ومنها الاستفادة من أخطائه السابقة وتصحيحها. وأيضاً قدرته على إيجاد البدائل وبالتالي عدم استسلامه لنظام السوق (العولمة) بوصفها حلاً لا بديل له !.

‌د-     أن حساسية الطب النفسي أمام حق البشر بالاختلاف جعلته يحترم هذا الاختلاف أشد الاحترام. لدرجه أنه لم يتوصل لغاية اليوم إلى وضع تعريف محدد للسواء (للتفريق بين الأسوياء والمرضى). وعليه فإن الاختصاص لن يقبل يوماً إلغاء حق الإنسان بالاختلاف. بل أن جهوده تنحصر في الحد من معاناة المرضى المتألمين.

‌ه-     بناءً على البند السابق نجد أن الاختصاص يجري أبحاثاً ومراجعات دورية من أجل التفريق بين ما هو مختلف وما هو مرضي.

‌و-    يصر الطب النفسي على كون التنوع الإنساني مصدر غنى للإنسانية وللبشرية جمعاء. وهذا يعني أنه لن يساهم يوماً في القضاء على هذا التنوع. ومع ذلك فإننا لا نهمل احتمالات إساءة استغلال الاختصاص. لذلك سنخصص لها الفقرة التالية:

4-    نماذج إساءة استغلال الطب النفسي

إنها الثنائية البشرية (الخير والشر ومتفرعاتهما) التي تبرر إساءة استغلال العلوم والمعارف. ومن أمثلة ذلك في ميدان الطب النفسي نذكر :

‌أ-     المحاولات الأميركية لتربية أطفال عباقرة (هنالك سوابق نازية في هذا المجال). وهي محاولات أدت لتحويل الطفل إلى قرد عالم وفق تعبير الأطباء النفسيين الذين فحصوا هؤلاء الأطفال.

‌ب-    تسخير الهندسة الوراثية لإنتاج "السوبرمان" وهي تتحول إلى خطر داهم على الإنسانية بسبب محاولات احتكار هذه الأبحاث.

‌ج-    يشارك الاختصاص في شتى ميادين النشاط الإنساني (الاجتماعي والسياسي - والاقتصادي إلخ ) ولا بد من وجود منطقة رمادية يختلط فيها التدخل الأخلاقي مع التورط الأخلاقي في هذه الميادين.

‌د-     إن محاولة إنتاج مصل الحقيقة (لاستجواب الجواسيس) ومنها إنتاج المخابرات الأميركية لمخدر L.S.D. هو أحد وجوه إساءة استغلال الاختصاص.

‌ه-     إن استخدام الاختصاص للتخلص من المعارضين السياسيين هو وجه آخر من وجوه استغلاله.

‌و-    أن تورط بعض الاختصاصيين مع شركات الأدوية هو مثال عملي آخر على احتمالات إساءة استخدام الاختصاص.

وبالرغم من خطورة هذه الأمثلة وانتشارها النسبي فإن الغلبة تبقى للطابع الأخلاقي. إذ من المسلّم به أن الاعتراف (حفاظ الشخص على كرامته واحترامه) يغلب الكسب المادي (رغبة الربح ) إلا في حالات شاذة.

5-    أمراض نفسية تتحدى العولمة

توجد قائمة طويلة من الاضطرابات والأمراض النفسية التي يقتصر انتشارها  على ثقافات بعينها. حتى إنك لا تجد لها أثراً في الثقافات الأخرى. ومن أشهر هذه الاضطرابات نذكر :

‌أ-     اضطراب المجنون الراكض (تناذر آموك) : وينتشر في جنوب شرق آسية ويمتاز بنوبات عدوانية تؤدي إلى قتل عدد من الأفراد قبل أن ينهك المريض نتيجة الركض والعراك. وقد يضطر المحيط إلى قتل المريض إذا فشل في ردعه عن الأذى. وينتشر هذا الاضطراب لدى الذكور ونادراً لدى الإناث. وهو ينطوي على أفكار اضطهادية ومخاوف من الموت المفاجئ. كما لوحظ هذا الاضطراب في البورتوريكو.

‌ب-    تناذر كورو Koro : وتسميته ماليزية وينتشر أيضاً في منطقة جنوب شرق آسية. ويتظاهر بالذعر الحاد والمفاجئ من الموت. مع الاعتقاد بأن عضو الذكورة سينكمش تدريجياً ليغرق في البطن ويسبب الوفاة، وعندما يصيب الأنثى (في حالات نادرة) فإن ذعرها يتركز على انكماش المشفرين.

يتبدى ارتباط هذه الظاهرة المرضية بالبيئة عبر إمكانية انتشار الاضطراب بين عدد كبير من السكان بشكل وبائي (وكأنه عدوى). وتجدر الملاحظة إلى أن الزميل القرشي قد وصف معاينته لحالة شبيهة الكورو في السعودية (منشورة في المجلة العربية للطب النفسي). كما لوحظ الاضطراب في الصين خصوصاً.

‌ج-    تناذر لاتا latha  : وينتشر في أندونيسيا وماليزيا على وجه الخصوص وهو يصيب السيدات في أواسط العمر. وتتبدى المريضة في حالة من التفكك الفكري تجعل المريض تخضع لأي أمر يوجه إليها. مع حساسية مفرطة أمام الصدمات ومثيرات الخوف. مما يؤدي إلى تدني عتبة الوعي وقدرة التركيز لديها. حتى أن البعض يشبه هذه الحالة بحالة المتعرض للتنويم المغنطيسي.

‌د-     رهاب بالنيغ Paleng  : ويدعى أيضاً برهاب فريغو (Frigo)؛ وهو خوف غير مبرر ينتشر في الصين وجنوب آسية ويتجلى بالخوف من الرياح. مما يدفع المريض إلى لبس كميات هائلة من الثياب مما يتسبب بإرهاقه. فإذا لم يجد منقذاً فإن الخوف الشديد والإرهاق الجسدي قد يؤديان به إلى الموت.

‌ه-     تناذر دهات DHAT : ويصادف في الصين والهند وسيريلانكا وبعض مناطق الجوار - حيث يعطى مسميات مختلفة من منطقة لأخرى - ويتجلى بنوبة ذعر شديدة الوطأة مترافقة مع مظاهر جسدية (عصبية ونباتية) وحادة. ويعتقد المعالجون المحليون أنها على علاقة بالإفراط في الجماع. حيث يبدأ الخوف متركزاً حول خوف فقدان السائل المنوي (أو الإفراز المهبلي) وينتهي بالخوف من الموت لهذا السبب.

‌و-    تناذر الزوجة الأولى : وهو خاص بالمجتمعات التي تسمح بتعدد الزوجات. وهو يصيب الزوجة القديمة ويتجلى بمعاناة تشبه عصاب الهجر في علائمها مع علائم اكتئابية من النوع التعلقي (Anaclitic). وفي حال عدم علاجها تتحول الحالة إلى الأزمان ويمكنها أن تتجلى بتعقيدات جسدية - مرضية أو بإمراضيات نفسية متنوعة.

وتطول قائمة هذه الاضطرابات الخاصة بالثقافات لكننا نكتفي بهذه الأمثلة منها تأكيداً على طابع الخصوصية والتنوعية في مجال المرض كما في مجال السواء. وهذه الأمثلة تؤكد على مبدأ أساسي من مبادئ الطب النفسي. وهو مبدأ ذاتية المعايشة. فكل إنسان (سوياً كان أم مريضاً) يعايش البيئة المحيطة به على طريقته الخاصة. وبالرغم من وجود عوامل مشتركة بين جماعات البشر (الثقافة والتربية والدين وغيرها) فإن المعايشة تختلف من شخص لآخر باختلاف بصمات الأصابع.

وإذا كانت معايشة الحياة قابلة لإيجاد قواسم مشتركة عبر النظم والمعايير الاجتماعية (بما يفتح الجدال عريضاً أمام احتمالات اختراقها بوسائل الإعلام وبالتالي عولمتها) فماذا عن معايشة الموت ؟

إن ثورة الاتصال وتكنولوجيا المعلومات والأحياء تقف عاجزة عن اختراق جدار الموت. وبالتالي فإنها عاجزة عجزاً مطلقاً عن عولمتها ! ؟. وهكذا فإن انتصارات العولمة تقف عند حدود المعايشة الذاتية للموت. أي الطريقة التي يتخيل فيها الفرد موته الشخصي. وانشطار روحه عن جسده وما ستؤول إليه كل منهما. وهذه المعايشة هي الأساس في تركيبة الجهاز النفسي للإنسان المدرك لمفهوم الزمان دون غيره من المخلوقات. كما أن هذه المعايشة هي الموجهة لغرائز الإنسان. وفي طليعتها غريزة استمرار النوع.

6-    فشل العولمة من فشل الإيديولوجيات 

معظم نقاد الماركسية يعزون فشلها إلى تعارضها مع الغرائز الإنسانية وفي مقدمتها غريزة الربح. وهي غريزة متداخلة مع بقية الغرائز متشابكة معها. فأحياناً يرى الإنسان الربح في غريزة الجنس أو البقاء أو استمرار النوع أو غيرها من الغرائز. ولما كانت الماركسية تكبت هذه الغرائز فإنها كانت متعارضة مع الطبيعة البشرية بحيث تستدعي التسامي والارتقاء فوق الدوافع الغريزية. مما يمكنه أن يحصل في ظروف معينة ولكن ليس بصورة دائمة. لكن الملفت أن المدافعين عن العولمة الذين ينقدون الماركسية والإيديولوجيات على هذا الأساس لم ينتبهوا إلى أن العولمة نفسها تعاني من إهمالها للغرائز الإنسانية وتجاهلها لها. فهي، أي العولمة، والبراغماتية المحركة لها تستجيبان لغريزة الربح. إلا أن هذه الاستجابة ممسوخة لكونها تقف عند حدود المنفعة ولا تتعداها إلى جوانب الربح المعنوي. وهذا ما يجعل العولمة تبدو هازئة من الضمير الأخلاقي ومتصادمة معه ومع تجلياته. ومنها الطب النفسي. حيث شرحنا لحيثيات هذا التصادم.

وقد يستغرب القارئ محاولتنا جذب النقاش حول العولمة إلى ساحة الطب النفسي وحصره في هذه الساحة. لكن هذا الاستغراب يزول عندما نعلم أن البراغماتية هي التي اختارت هذه الساحة. إذ انطلقت من الإنسان وجعلته طموحها الفلسفي والمعرفي (ساخرة من الفلسفة التقليدية الباحثة في الكون والماورائيات والمجردات) حتى أن أول كتب مؤسس البراغماتية الأميركية ويليام جايمس كان بعنوان "مبادئ علم النفس". وبذلك يمكن الحديث عن الارتباط الوثيق بين كل من السيكولوجيا والبراغماتية. لكن هذا الزواج لم يكن مثالياً بحال من الأحوال. فقد اشترطت البراغماتية عبر مدرستها النفسية (المدعوة بالسلوكية) عدم التعاطي مع العقل باعتباره صندوقاً أسود لا ضرورة للعبث بمحتوياته والاكتفاء بمراقبة سلوك وتصرفات صاحب العقل. ولا ريب أن هذه الطريقة السلوكية قد تمكنت من تحقيق إنجازات هامة وتقديم حلول علاجية من الدرجة الأولى. لكن متاعب السلوكية بدأت مع تنامي قدرة أطباء الأعصاب على سبر أغوار الدماغ واختراق العلبة السوداء (الدماغ) مما تسبب بإحراجات لا تحصى للمدرسة السلوكية ومعها البراغماتية. التي بدأت تضعف أمام تطورات التكنولوجيا الأحيائية. وعندما توصلت أبحاث التصوير العصبي إلى تحديد مناطق دماغية مصابة فإنها توصلت بذلك إلى إحراج البراغماتية وتهديد منطلقاتها النظرية. فلو عدنا إلى فوكوياما الذي يؤكد على أن ثورة البيولوجيا ستشكل انتصاراً للبراغماتية لوجدنا أن استنتاجاته في غير مكانها. إذ أن هذه الأبحاث هي مقدمة لضرب رؤية البراغماتي الأول نيتشيه وتشاؤميته التي تقول "أن الإنسان هو حيوان لن نتوصل يوماً إلى معرفته!".

إلا أن هذه الأبحاث تجعلنا أكثر أملاً في التعرف إلى الإنسان وإلى طريقة عمل دماغه (الصندوق الأسود).

مما تقدم يمكننا التذكير والتأكيد على مقولة :"أن الموضوعية الحقة هي في إدراكنا للذاتية" وبالتالي فإن التعميم العشوائي الذي يتجاهل الذاتية هو تعميم لا يمت إلى الموضوعية بصلة. وهذا يستتبع التوقع بأن نتيجة الصراع محسومة لصالح الطب النفسي الذي يصر على التأكيد بأن كل مريض يهذي ويهلوس على طريقته الخاصة ووفق ذاتية هي كناية عن تراكم تجاربه المعيشة مع البيئية المحيطة به. وهو تراكم مخزون في دماغه (الصندوق الأسود). وهكذا يكون من الطبيعي أن نتوقع هزيمة البراغماتية وتراجعها. ولكن أيضاً احتفاظها بإغراءاتها وجاذبيتها. ولعلنا نجد الدليل على ذلك في إطار الاختصاص (فالخروج من دائرته قد يكون مربكاً للقارئ) حيث نرى قائمة من الاختصاصيين الذين حاربوا السلوكية وازدروها وأبعادها ثم عادوا لاعتمادها ولو جزئياً وبعد تعديل. ومن هؤلاء نذكر كارل بريبرام (صاحب نظرية الهولوغراف الدماغي) ويبار مارتي (التيار السيكوسوماتي التحليلي) وألبرت أليس (التيار العقلاني) إلخ .

ولعل هذه الأمثلة تعود بنا إلى رزانة الاختصاص الذي لا يعرف التعصب والمواقف المسبقة. والذي يرى الحق في الجمع بين مختلف الوسائل القادرة على مساعدة المريض. وبالتالي في الجمع بين أجزاء الحقيقة مهما بدت متنافرة ومتناقضة.

لهذه الأسباب مجتمعة نجد الاختصاص ينظر ببرودة شديدة إلى إطلاقيات من نوع: نهاية التاريخ والأيديولوجيا والأنثربولوجيا وصدام الحضارات ألخ. إذ يصر الطب النفسي على كون هذه العناصر تتضافر وتجتمع في مخاض ولادة عالم جديد يحمل في طياته علائم وراثية تنتمي إلى مجمل هذه الماضويات الفكرية.

أنه الإنسان الذي يرتبط كماله بملكيته لكافة هذه المكونات المخزونة داخل الصندوق الأسود.

العودة الى الصفحة الرْيسية
 

 

السيكولوجيا وحوار الحضارات

          يعتبر كتاب الدكتور محمد عثمان نجاتي «الادراك الحسي عند ابن سينا» اول محاولة عربـية لتطوير المنهج العلمي في الدارسات النفسية العربـية، وتغذية للنهضة الفلسفية على هذا الصعيد. بل ربما كان هذا العمل مؤسساً لمنطلقات الحوار بـين الحضارة العربـية والحضارات الاخرى. وهو الحوار المزدهر حالياً عقب طروحات الصدام الحضاري. فقد عمدت هذه المحاولة الجادة الى ربط التراث الاسلامي بالحداثة وما بعد الحداثة. فلا جدوى في رأينا من التفريق بـين منهج اسلامي وآخر علماني. فالمنهج العلمي