مركز الدراسات النفسية م.د.ن.
النفـــــس المقهـــــورة
سيكولوجية السياسة العربية

عودة الى الرئيسية

اصدارات المركز

مجلة المركز

اشترك في المركز

 

لشراء اصدارات المركز واعداد ومجلدات مجلة الثقافة النفسية المتخصصة

 

مناقشة لفرضيات التموقع العربي في الفضاءات العالمية

مصطلح الفوضى هو المصطلح الدلالي الأوفى لوصف ما آلت اليه السياسة الدولية بعد انهيار جدار برلين. حتى تبدو بقية المصطلحات المطروحة منذ ذلك التاريخ وكانها مجرد شائعات. فمن التظام العالمي الجديد الى صدام الحضارات ونهايات التاريخ والايديولوجيات والقوميات ...الخ من المصطلحات التي تظهر لتختفي ولتتم مراجعتها ومن ثم التراجع عنها. وهو تراجع يعادل الاعتراف بكونها مجرد شائعة.
 

او اقله الاعلان عن عدم صوابيتها بما يزيد من حدة الفوضى ويعزز دلالتها كمصطلح معبر عن واقع حال السياسة الدولية. ولعلنا لا نبالغ في القول بان الشك يطاول مصطلح العولمة نفسه. بل هو أنجح شائعة مصطلحية لغاية اليوم.

التموقع صعب في خضم هده الفوضى السائدة لكنه غير ممكن التجني لكونه حاجة آنية وضرورة مستقبلية لاسبيل لتجاهلها أو لتحمل وزر اهمالها. وهدا ما يدفعنا الى محاولة استعراض فرضيات التموقع العربي في الفضاءات المطروحة راهنا". وهي محاولة لاتكتمل بدون استشفاف الاحتمالات المستقبلية لنشوء فضاءات جديدة او مكملة للفضاءات الراهنة.

1. نهاية العولمة

طرح مصطلح العولمة للتداول انطلاقا" من اعتبارها ظاهرة. وهو اعتبار يعادل التجاهل التام لكل ما هو ايديولوجي. بل لكل فكر مخالف للفكر البراغماتي الذي قولبت ظاهرة العولمة وفقه. ولما كانت التجليات الاقتصادية اسهل تجسيدات البراغماتية فقد كان من الطبيعي ان تنطلق العولمة من مفهوم اقتصادي. فطرح المصطلح بدلالة " العولمة الاقتصادية". وكان هذا الطرح مدعوما" بالتفوق الاقتصادي الاميركي. وهو تفوق مطلق لا تبلغه الولايات المتحدة على الصعد السياسية او العسكرية. وبدلك تحولت دلالة مصطلح "العولمة الاقتصادية" الى "أمركة الاقتصاد العالمي". وباتت العولمة رديفة للأمركة في اذهان الكثيرين ممن لم يتنبهوا للتناقض القائم بين العولمة كظاهرة وبين الأمركة كايديولوجيا جديدة ( نظرية في المعرفة الاقتصادية تمكن تسميتها تجاوزا" بايديولوجيا السوق. وان كانت لاترقى الى حدود النظرية الفكرية المنتجة لايديولوجيا). هده النظرة الناقدة لمفهوم الأمركة العولمي بقيت محصورة في الاطار النظري لغاية قيام المظاهرات المعادية لهدا النمط من العولمة.

من جهتهم انقسم المنظرون بين مؤيدين ومعارضين. حيث انضمت الى المعارضة جميع الاتجاهات المارقة (المخالفة للولايات المتحدة). وعندما جاءت مرحلة التطبيق الفعلي للعولمة تعجلت دول نامية عديدة ركوب قطار العولمة مستجيبة للاغراء الاقتصادي. الا ان هده الدول سرعان ما اكتشفت يالتجربة ان للعولمة آثارا" جانبية مدمرة لاقتصادات الدول الفقيرة. فكان ان اجتمعت هده الدول النامية المتسرعة في العولمة عبر ما يعرف بنادي الدول الاحدى عشر (ضحايا العولمة) الدي تحول الى الخمسة عشر ولا يزال في اتساع مستمر. ومع الوقت اكتشفت التجمعات الاقتصادية الصغيرة اضرار العولمة بمصالحها الى أي بلد انتمت هده التجمعات (حتى لو كانت اميركية). وكان لوعي هده التجمعات في الدول المتقدمة اثره في دفعها لقيادة تحركات شعبية (مظاهرات,واحتجاجات متعددة الصعد والاشكال) مضادة للعولمة.

هده التغيرات السريعة اصابت مركز العولمة (الولايات المتحدة) بنوع من فقدان التوجه. حيث انطلق التوجه اساسا" من قاعدة مفادها ان اصدقاء الولايات المتحدة هم ركاب قطار العولمة وان المارقون هم المتخلفون عن الركوب في هدا القطار. الا ان الانهيارات المالية في بورصات المكسيك والنمور الآسيوية اجبرت الاصدقاء على النزول من قطار العولمة. في الوقت الدي كان فيه بعض المارقين السابقين يتهيأون لركوبه. الأمر الدي تسبب بفوضى عولمية تقودنا الى طرح سؤال متعجل: "هل سقطت العولمة؟". نقول متعجل بسبب لامعقولية بروز الظاهرة واختفائها قبل تحديد ماهيتها وجوهرها. اذ ان الجدل لا يزال مقتصرا" على الصعيد اللساني. الباحث عن دلالة المصطلح وعن الفوارق بين العالمية والعولمة. وغير ذلك من النقاشات اللسانية التي تختزل العقل البشري بسلسلة دلالية للكلمات والمصطلحات.

وبعيدا" عن انكار وضعية النصر الأميركي في الحرب الباردة ( تشير التجارب التاريخية الى ان المنتصر في صراع عالمي يعيد ترتيب العالم وفق مصالحه) فاننا نحتفظ بحق طرح الاسئلة واهمها التالية:

    هل كان مصطلح العولمة (بدلالة ايديولوجيا السوق) حيلة اميركية لتغطية الفوضى الاستراتيجية الأميركية الناجمة عن غياب العدو؟.

        ما هي الارهاصات الفكرية الممهدة لظهور ايديولوجيا السوق وعولمتها.

        مادا عن الطروحات المستقبلية المنطلقة من مسلمة سيادة العولمة؟.

        ما هي البدائل الفكرية المؤهلة لوراثة ايديولوجيا السوق؟.

        هل يؤدي تراجع العولمة الى ظهور بدائل جديدة او الى احياء ايديولوجيات قديمة؟.

    هل استبدلت الولايات المتحدة العولمة بسياسة الاحلاف؟ ودلك بدليل تعديلاتها المدخلة على استراتيجية حلف الناتو ودعمها لاحلاف عديدة حول العالم.

.الفوضى الاستراتيجية الأميركية

     همس جورجي آباتوف ،مستشار غورباتشوف, في ادن مسؤول اميركي بالعبارة التالية:

"اننا نصيبكم بخطب جلل فنحن نجردكم من العدو". ولم يكن آباتوف مخطئا" فقد ايده لاحقا" الاستراتيجي الأميركي صموئيل هنتنغتون في مقالته "تآكل المصالح الأميركية". التي تضمنت جملة اعترافات ومن اهمها الاعتراف بففقدان التوجه الاميركي المصلحي في غياب العدو. فنهاية الحرب الباردة خلفت عالما" شديد الاختلاف الى حد يصعب استيعابه ومتغيراته. فقد تحولت دول حلف وارسو الى دول وطنية. وتفكك الاتحاد السوفياتي الى دول عادت لترتدي اثوابها الوطنية والأتنية السابقة لثورة اوكتوبر 1917 الشيوعية...الخ من التغيرات التي تسييت بفوضى جغرافية, وتاليا" سياسية", لامثيل لها في تاريخ البشرية. وامتدت هده الفوضى الى دول العالم التي كانت موزعة بين الجبارين. وبمعنى آخر فقد تحولت الفوضى الى عالمية. مما اغرى الدول القومية في كل منطقة للتدخل من اجل ملء الفراغ المتخلف عن زوال الشيوعية. ولم تقتصر هده التحركات على الصعيد العسكري بل تخطته الى صعيد التحرك من اجل السيطرة الاقتصادية. واخطر من التحركين السعي لتكوين تجمعات عرقية كفيلة مستقبلا" بتفجير بعضها البعض بعيدا" عن السيطرة. مما جعل العالم مرشحا" لحالة من الفوضى الاقتصادية والسياسية والعسكرية والجغرافية.

الولايات المتحدة كانت لها حصتها من هذه الفوضى. فهي قد اعتادت على توجيه مصالحها بمخالفة الطرف النقيض. الذي مثلته اوروبا لغاية الحرب العالمية الثانية لينتقل دور العدو الى الشيوعية. وفي جميع الاحوال كان الاميركيون يبرمجون سياساتهم ويتموقعون في السياسة الدولية اعتمادا" على مخلفتهم للآخر. فلما غابت الشيوعية بدون عدو وريث وقعت الولايات المتحدة في حالة فقدان التوجه. وهذا ما يؤكده هنتنغتون حول العجز عن توجيه المصالح الاميركية في غياب العدو. بل انه يصل الى حدود المطالبة بالبحث عن عدو حيت يتساءل: "هل كان انفجار اوكلاهوما ليحدث على ايد اميركية لو كان هناك عدو؟!". ولقد بلغت الفوضى الاميركية قمتها ابان حرب كوسوفو حين اعلنت محموعة من كبار المحللين السياسيين العالميين ان كلينتون لايملك استراتيجية محددة. وهو يتعامل مع المشاكل بصورة تكتيكية. فيحل كل مشكلة لوحدها بمعزل عن الأخرى (Case  by  Case ). الا ان التحليل الرجعي لسلوك كلينتون السياسي يبين لنا انه كان يجهد للخلاص من مأزق "النظام العالمي الجديد/ العولمة" ليستبدله بسياسة احلاف جديدة.

3.سقوط العولمة وانبعاث سياسة الاحلاف

          لا تستطيع الولايات المتحدة السماح بخروج قطار العولمة عن المسار المحدد له اميركيا". وهذا ما أكده كلينتون والكونغرس الاميركي. من خلال جملة مواقف وتصرفات زرعت الشكوك حول طابع "الحتمية" الملصق بالعولمة. ومن اهم التراجعات الأميركية عن العولمة نذكر:

أ‌.     رفض ادراج النفط في قائمة سلع منظمة التجارة العالمية: وهو رفض مفتقد للمبررات. فالشركات النفطية هي اقدم الشركات العملاقة العابرة للقارات. وهو الأحق بالادراج في هذه القائمة من خامات عديدة مدرجة فيها.

ب‌.    دعم صناعة الصلب الاميركية: خرج كلينتون على قوانين المنظمة عندما اعاد دعم الحكومة لصناعة الصلب الاميركية تحت ضغط اضرابات اصحاب معامل الصلب. فكان هذا الخروج سابقة تؤكد على معاداة اميركا للعولمة اذا تعارضت مع مصالحها.

ج. معارضة الكونغرس لمشروع تسريع خطوات العولمة: حيث رد الكونغرس بالرفض مرتين متتاليتين مشروع كلينتون القاضي بتسريع خطوات العولمة في الولايات المتحدة.

د. تعديلات استراتيجية حلف الناتو (نخصص لها الفقرة التالية).

          وهذه التصرفات تعكس الوعي الاميركي لصعوبات وعوائق عولمة النموذج الاميركي. فمن الناحية النظرية وجدنا صاحب فرضية "صدام الحضارات" يلتف على نفسه ليقرر ان تآكل المصالح الاميركية يعود الى فقدان العدو. والبحث عن عدو متعارض منطقيا" مع تذويبه في اطار العولمة/الأمركة. اما على الصعيد العملي فقد برزت جملة وقائع ومؤشرات تبين استحالة متابعة سياسة السوق الاميركية. فقد برزت ازمات المكسيك والنمور الآسيوية الاقتصادية بما افقد العولمة نماذجها الدعائية التسويقية. حيث كان ازدهار هذه البلدان هو الطعم المغري للدول المترددة في ركوب قطار العولمة. وفقدان هذه النماذج بالانهيار مضافا" اليه اللامبالاة الاميركية المطلقة (لم تتدخل الولايات المتحدة لانقاذ النمور الآسيوية من ازمتها وتركتها تواجه مصيرها لوحدها) شجع غالبية الدول النامية على التهرب من الانخراط في العولمة. ولما كان من غير المتصور ان تقبل الولايات المتحدة بنموذج عولمي بديل فقد لجأت الى اعادة احياء سياستها القديمة القائمة على الاحلاف مع تحريك تجاربها ورصيدها في المجال. فكان الحلف التركي الاسرائيلي(دعم اعلانه لأن وجوده العملي قديم) برعاية اميركية وبابواب مفتوحة مستقبلا" لضم اعضاء اقليميين جدد. الا ان الخطوة الاميركية الأهم على طريق احياء سياسة الأحلاف تمثلت بالتعديلات المدخلة على استراتيجيات حلف الاطلسي بمناسبة يوبيله الذهبي المتزامن مع ورطة كوسوفو الاوروبية.

4. احياء حلف الاطلسي

          بمناسبة اليوبيل الذهبي للحلف تم الاتفاق بين دوله على ادخال تغييرات جذرية في استرايجيته. خاصة بعد فقدان بند اساسي من بنود الاستراتيجية القديمة لأية دلالة. وهو البند الذي يشير الى ضرورة الحفاظ على التوازن الاستراتيجي مع دول حلف وارسو (تم الغاء هذا البند بسبب زوال حلف وارسو). اما عن الاستراتيجية الجديدة فانها تسمح للحلف بالتدخل في دول اوروبية غير اعضاء فيه (كان ذلك يهدد بحرب عالمية ايام الحرب الباردة). وايضا" فان الحلف ضمن لنفسه حق التدخل في مناطق خارج اوروبا مثل شمال افريقيا والشرق الاوسط. اما عن الاسباب التي يعتبر الحلف مبررة لهذه التدخلات فهي عناوين عريضة قابلة للتأويل حسب المصالح. كمثل التحديات المهددة للحلف من نوع الارهاب الدولي وملكية اسلحة الدمار الشامل وغيرها من العناوين التي يترك تفسيرها لمجريات المصالح الاميركية.

ولقد عبر مايك هامر, الناطق بلسان مجلس الأمن القومي الاميركي, على هذه التعديلات بتصريح مليء بالتناقضات المنطقية اذ يعلن:

1.  1. ان الحلف لا يهدف الى لعب دور شرطي دولي لكنه يعني مسألة مثل كوسوفو الواقعة خارج الحلف مع تهديدها لمصالحه.

2.   2.  تدخل الحلف في كوسوفو بدون تفويض مجلس الأمن لأن الحصول على هذا التفويض لم يكن ممكنا". الا ان الحلف يحترم قرارات المجلس ويرحب بموافقة الأمم المتحدة على ما يقوم به!.

3.   3. ان الحلف سيتدخل خارج نطاق دوله (الوطن العربي وبقية اوروبا) ان هو رأى فيها تهديدا" لمصالحه.

4.   4.  ان الحلف لن يتدخل في منطقة جنوب شرق آسيا (ربما تحت ضغط الصين عقب حادثة السفارة وما لم يقله هامر عن سعي الحلف لضم استراليا اليه).

اما عن الانعكاسات المباشرة لهذه التعديلات فيمكن تلخيصها عربيا" ب:

. اخراج الوطن العربي (العراق وليبيا خاصة) من دائرة نفوذ الأمم المتحدة ومجلس الأمن وادخاله في دائرة السيطرة الاستراتيجية الأطلسية.
اصبح رفع الحصار عن الشعب العراقي والليبي خارجا" من يد الأمم المتحدة ومحولا" للحلف الذي يمارس مسؤوليته وفق مصالحه.
اصبح بامكان تركيا (الموقعة على الميثاق الجديد للحلف) ان تجتاح شمال العرق دون ان يكون للأمم المتحدة حق ابداء الرأي.

اصبحت الولايات المتحدة قادرة على مد الحظر الجوي ليشمل كامل الاراضي العراقية دون مجرد استشارة الأمم المتحدة.
اصبحت الولايات المتحدة قادرة على ممارسة ضغوط وتهديدات مضاعفة على اصدقائها العرب. وبالتالي فقد اصبحت اكثر قدرة على لجم اية محاولة تفاهم عربي - عربي ( حتى على صعيد القمم العربية).
استجابت ادارة كلينتون عبر هذ التعديلات للطموحات الاوروبية في منطقة شمال افريقيا ( كان الاتحاد الأوروبي يدعو منذ فترة لانشاء قوة تدخل سريع اوروبية في شمال افريقيا). الا ان اصرار الرئيس الجديد بوش على مشروع الدرع الصاروخي نزع هذه الورقة من يد الاوروبيين فعادوا للمطالبة بقوة التدخل السريع الاوروبية.

يبقى الأهم في النكوص الأميركي الى سياسة الأحلاف هو اعلان التراجع عن مبدأ النظام العالمي الجديد الذي اطلقه بوش العام 1991 وما تبعه من محاولة تصدير النموذج الأميركي وعولمته. حيث تضمنت تعديلات الاطلسي اعترافات اميركية بوجود مصالح صينية في جنوب شرق آسيا واوروبية في شمال افريقيا الى جانب الاميركية في منطقة النفط خصوصا".

5. الأطلسي يعيد توزيع الفضاءات

          طغت البراغماتية وسياسة المنفعة الاقتصادية على تحركات كلينتون اواخر ايام رئاسته. فمن حرب كوسوفو ( الورطة الأوروبية التي تسببت في تدهور سعر اليورو بسبب اعبائها المالية مع تدعيمها للاقتصاد الاميركي) الى عملية ثعلب الصحراء ( هروب اميركي الى الأمام لتجنب اية مواجهة لها ثمن استراتيجي). ومن الاعتراف بالمصالح الاوروبية في شمال افريقيا مقابل فتح الطريق الى القوقاز امام الولايات المتحدة ( فوجئت ان مخزونه النفطي اقل كثيرا" من المتوقع). وحتى تعديلات حلف الاطلسي كلها انعكاس لسياسة المكاسب الآنية. وهي السياسة التي يعترض عليها الجمهوريون ممثلين بووكر بوش. وبمعنى آخر فان الفضاءات المتخلفة عن سياسة كلينتون ليست ثابتة بل هي عرضة للتغيير بحسب سياسات الرئيس الجديد.

مهما يكن فان الحديث عن الفضاءات يستوجب تصنيفها الى فئتين رئيسيتين هما:
    فضاءات يفرضها الراهن العالمي.
  
 الفضاءات البديلة التي تستند الى الانثروبولوجيا ( الثقافية والاتنية والقومية والاجتماعية وغيرها).

أ. فضاءات الراهن العالمي.

          عبر مراجعة سريعة لمعايير التعديلات الاطلسية يمكننا استخلاص توزيع الفضاءات المفروضة من قبل الراهن السياسي الاقتصادي العالمي على النحو التالي:

- الفضاء الأميركي ومتفرعاته: التي تتضمن فضاءات فرعية اهمها:

               -  الشرق الأوسط (مع الحاق السودان به بعد اكتشاف مخزونه النفطي).

              -  الفضاء الهندي الباحث عن الدعم الاميركي في مواجهته للصين.

             -  الفضاء الاسترالي الساعي للتوسع في اندونيسيا وغيرها من الدول المتعولمة في منطقة جنوب شرق آسيا.

           -  الفضاء الاميركي الشمالي.

           -  فضاء اميركا اللاتينية.

           -  الفضاء الأطلسي الأوروبي (حيث حرب كوسوفو وتعديلات الحلف تتناقض في نواح عديدة مع ميثاق الاتحاد الاوروبي وتتحداها. بحيث يمكن اعتبار ازمة اليورو الحالية نتيجة لتغليب مصالح الفضاء الاطلسي على مصالح الاتحاد الاوروبي).

              الحلف التركي الاسرائيلي وامتداداته المتوقعة.

-      الفضاء الصيني: الذي فرض نفسه بقوة بعد حادثة الطائرة الأميركية. وهو فضاء قديم ومعروف بحيث لم يغب عن الساحة الدولية عبر التاريخ.

-      الفضاء الاوروبي: الذي يجهد لتأمين استمراريته وامتداده الى الفضاء المتوسطي  المصطنع وغير المرصن لغاية الآن.

-      الفضاء الروسي: الذي يسعى للانفتاح على الفضاء الصيني في محاولة لتكوين حلف مضاد جديد. يرشحه بعضهم لخلافة دور القطب البديل.

ب.الفضاءات البديلة

      لقد برهنت هذه الفضاءات على ديمومتها. بالرغم من افتقارها للقوة اللازمة لمنافسة طروحات الفضاءات المفروضة عالميا". فقد تجاهل المنتصرون في الحرب العالمية الأولى هذه الفضاءات. واعادوا تقسيم جغرافية العالم بصورة مصطنعة مخالفة لهذه الفضاءات. فكانت النتيجة ان معظم الصراعات الراهنة تعود في جذورها الى هذا التجاهل. فمن صراعات الشرق الأوسط الى صراعات البلقان ودول الاتحاد السوفياتي السابق كلها صراعات تجد حذورها في الجراحة الجغرافية الوحشية، التي اجراها الحلفاء عقب الحرب الكونية الأولى ،على خريطة العالم. وقبل الحديث عن الفضاءات البديلة الراهنة لابد من الاشارة الى ان مصطلح الفضاء هو مصطلح يرمز الى التجمعات الكبيرة. وهو قد لايصلح للتجمعات الصغيرة على غرار بعض تلك المتواجدة ايام الحرب الأولى. لكننا آثرنا استخدام المصطلح للدلالة. وبهذا نصل للسؤال عن الفضاءات البديلة المطروحة في مواجهة الفضاءات العالمية. ونصطدم في تعريفنا لهذه الفضاءات بالغموض الذي يلفها بسبب عدم ظهورها الى العلن. كما بكونها مرتبطة بالاحتمالات المستقبلية المفتوحة. وهي احتمالات من شأنها تغيير الطروحات واقلابها رأسا" على عقب. لذلك نكتفي باعطاء بعض الامثلة على هذ الفضاءات ونبدأ ب: 

-           *الفضاءات القومية: على الرغم من اعلان وفاة القوميات فان مؤشرات عديدة تبين ان هذه الوفاة قد تكون بالمعنى الاكلينيكي لكنها غير ناجزة. فانبعاث القوميات في دول الاتحاد السوفياتي السابقة وفي اماكن عديدة من العالم يثبت ان خبروفاة القومية هو خبر كاذب. ويتكرس كذب هذا الخبر مع صعود هايدر في النمسا عبر انتخابات ديمقراطية. ويبقى التكذيب الحقيقي لهذا الخبر صينيا". اذ يكفينا التذكير بمظاهرات صينيي تايوان ضد الولايات المتحدة عندما قصفت سفارة الصين في بلغراد (هنا تجاوزت القومية الصينية مباديء المصلحة  والايديولوجيا والحماية الاميركية لتايوان الصين الوطنية- في مواجهة الصين الشعبية). عداك عن ان الحضور الفاعل للفضاء الصيني القومي هو خير تكذيب لخبر وفاة القومية. في المقابل نجد ان القوميات الكبرى (ومنها العربية) غائبة عن السمع مؤقتا". كما نجد ان القوميات البارزة راهنا" هي قوميات صغيرة وعاجزة عن تكوين فضاءات. وهذه الوقائع تراكم الاسئلة حول مستقبل الوطن العربي والقالب الفكري المعاصر لقوميته. اذ تشير نظرية الاستقراء المستقبلي الى استحالة انبعاث أي فكر بقالب قديم تخطاه الزمن. وبالتالي الى حاجة هذا الانبعاث الى قوالب فكرية جديدة. بما يفتح الابواب واسعة امام تكهنات واحتمالات معاودة ظهور القوميات المختلفة بالأثواب الفكرية المتعددة.

   الفضاءات الدينية: كان لتراجع الايديولوجيات دور مقرر في صعود الاصوليات الدينية. الملحوظ في مختلف الاديان (سماوية او غير سماوية او حتى بدائية). وتكفينا مراجعة الصراعات الراهنة القائمة على خلفيات اصولية كي نتبين طموحات الفضاءات الدينية.

-             *الفضاءات التابعة: المنطلقة من فرضية عودة نظام القطبين ( يتعدد المرشحون لدور القطب البديل. من الاتحاد الاوروبي الى التحالف الروسي-الصيني الخ). وفي هذه الحالة فان الفضاءات الدائرة في الفلك الاميركي (المذكورة اعلاه) ستتوزع على القطبين.

-            * الفضاءات المباغتة: وهي القوى المعتاد ظهورها عبر التاريخ عقب اختلال قوي لموازين القوى. وتوصف هذه القوى بالمباغتة لانها تكون خارج الحسابات والتوقعات. مما يجعل من ظهورها مفاجأة غير متوقعة. بل ان بعض المستقبليين الاستقرائيين يذهبون الى ان هذه القوى المباغتة كانت على مر التاريخ صانعة الحضارات. وهي تنطلق من شعوب مغلوبة على امرها ومتخلفة تفاجيء الجميع ببروزها المفاجيء. ويتطرف بعض الاستقرائيين ليروا ان الشعوب المرفهة عاجزة عن بعث حضارات جديدة. وهنا يتخذ طرح الفضاء العربي الأفريقي اهميته القصوى.

3.الفضاء الافريقي.  

          هذا الفضاء لم ينبت من العدم. اذ كانت له ارهاصات اولية تراكمت منذ العام 1963 عام تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية. التي لعبت ادوارا" مقررة ابان الحرب الباردة لتتحول الى ما يشبه الشلل بعد نهاية هذه الحرب. ولعبت بعض الدول العربية (مصر وليبيا خصوصا") ادوار وساطة من الدرجة الأولى للمساهمة في حل النزاعات الاقليمية الافريقية. عداك عن المساندة العربية الفاعلة لنلسون مانديلا ومناضليه في ثورتهم ضد النظام العنصري الجنوب أفريقي. وبالرغم من جسامة هذه التضحيات وتكاليفها الاقتصادية والسياسية فانها كانت العون والدعم لمصالح الافارقة. كما كانت تكريسا" لدور عربي سياسي افريقي ودولي غير ممكن التجاهل. وتجسدت اهمية هذا الدور بالخطوة التي قام بها الزعماء الأفارقة بزيارتهم المخترقة للحصار الأميركي على ليبيا.

وهكذا فان التغيير الجذري في اللحظة السياسية-الاقتصادية كان لابد له من ان يستتبع تغييرا" موازيا" في هيكلية منظمة الوحدة الأفريقية وتطوير هذه الهيكلية كي تتلاءم ومتغيرات السياسة الدولية. فكان طرح مشروع  الاتحاد الافريقي. حيث اطلق المشروع في سبتمبر (ايلول) من العام 1999 وكان المشروع طموحا" اذ دعى الى تأسيس الاتحاد على النمط الفيديرالي الاميركي. تحت تسمية "الولايات المتحدة الأفريقية"  بحيث يضم الاتحاد الدول الافريقية ال53 على شكل ولايات. الا ان الصعوبات التي اعترضت تنفيذ مشروع بهذه الدرجة من الطموح  اقتضت جرعة كبيرة  من الواقعية  ومعها تعديلات اساسية. تضمنها المشروع التأسيسي للاتحاد الذي اعلن عنه خلال القمة الأفريقية الاستثنائية المنعقدة في سرت (ليبيا) في 2 مارس (آذار) 2000 ليدخل حيز التنفيذ في 26 مايو (ايار) من العام نفسه. وينص المشروع على المباديء الرئيسة التالية:

-            المساواة و المحافظة على استقلال وسيادة الدول الاعضاء.

-            احترام الحدود الجغرافية للدول الاعضاء وعدم التدخل فيها.

-            تحظير استخدام القوة او التهديد ضد اية دولة عضو في الاتحاد.

-            ادانة ورفض محاولات تغيير الانظمة بطرق غير دستورية.

اما عن الهيكلية الادارية للاتحاد فهي تتكون من "هيئة عليا" هي مؤتمر الاتحاد وتضم رؤساء الدول والحكومات. اضافة الى مجلس تنفيذي يتألف من وزراء الخارجية او سواهم من الوزراء (وذلك وفق المواضيع المطروحة) في الدول الاعضاء. اما عن صلاحيات هذا المجلس فأهمها: التجارة الخارجية والطاقة والزراعة والنقل والاتصالات والتربية والصحة والثقافة والعلوم والبيئة. كما يلحظ المشروع التأسيسي مجموعة اقتصادية افريقية على نمط الاتحاد الاوروبي. عن طريق تبنيه لمعاهدة ابوجا القاضية بانشاء مجموعة اقتصادية ( تتبع منظمة الوحدة الأفريقية لكنها لم تطبق). كما تتضمن صلاحيات الاتحاد مناقشة سياسات الهجرة والجنسية واقامة الاجانب في الدول الاعضاء. اما عن البرلمان الذي يقترحه المشروع فهو ذا دور استشاري (يلحق بروتوكول لتحديد آليات تنفيذه). كما يلحظ المشروع انشاء محكمة قضائية أفريقية ومجموعة مؤسسات مثل صندوق النقد الافريقي وبنك الاستثمار الأفريقي. وهكذا يمكن اعتبار الاتحاد الافريقي خطوة عقلانية ومنطقية لاطلاق فضاء افريقي ضمن الفضاءات العالمية المطروحة.

4.الفضاء العربي الأفريقي.

          منذ انشائها ارتبطت منظمة الوحدة الأفريقية بعلاقات تبادلية مع الوطن العربي سواء على صعيد المصالح او على صعيد المواقف السياسية المختلفة. وعليه فان الدعوة  للفضاء العربي الأفريقي تتأسس على تجربة ناجحة ومستمرة منذ اربعة عقود. ويضاف الى التجربة التحليل السياسي للنظرة الجيو بوليتيكية للمصالح العربية. التي ترى مستقبل هذه المصالح  بالتكامل العربي مع الفضاء الافريقي. وذلك لجملة وقائع اهمها التمزق الجيوبوليتيكي العربي الذي يتبدى بتوزع، او انه مرشح للتوزع، البلدان العربية على فضاءات مختلفة. وهو تمزق يتبدى بالمظاهر التالية:

-         سلطنة عمان السائرة في طريق الانضمام للفضاء الهندي. وقد يتبعها اليمن الى هذا الفضاء بسبب رفض عضويته في مجلس التعاون الخليجي.

-        الدول الموقعة على معاهدة برشلونة. التي تشكل خطوة على طريق الانضمام للفضاء الاوروبي. (في رأينا ان سياسة ووكر بوش ستعيق هذا الطموح الأوروبي الذي اباحه كلينتون وهذا رأي شخصي).

-       الفضاء التركي الايراني القادر على استيعاب باقي الدول العربية الآسيوية.

وبهذا نصل الى السؤال عما اذا كان الفضاء العربي الافريقي هو البديل لتجنيب التبعثر العربي في فضاءات مختلفة. مع ما ينطوي عليه مثل هذا التبعثر من تضارب المصالح العربية العربية. الكفيل بتكريس الانقسامات العربية الى غير رجعة.

5. الخيارات العربية.

          بات الدخول في فضاء اقتصادي ضرورة لكل الدول والتجمعات الضعيفة والمفككة. فالانضمام الى احد هذه التكتلات (الفضاءات) هو السبيل لحماية التجمعات الضعيفة من الذوبان. امام هذه الحاجة تحولت المسألة الى استعراض للخيارات بعد ان تخطت مرحلة التردد في دخول الفضاءات او عدم دخولها. وبطبيعة الحال فان الخيارات المعروضة اعلاه تؤمن بعضا" من المصالح القطرية لكل دولة من الدول العربية الواردة الذكر. الا ان للفضاء العربي الافريقي مميزات وفوائد اضافية تجعله يتقدم على بقية الفضاءات المطروحة. وأهم هذه المميزات التالية:

-    أنه يبقي على الوطن العربي كتلة ديموغرافية واحدة غير مجزأة. فيجنب دوله اخطار تضارب المصالح المستقبلي (مع التذكير بأن غالبية المصالح العربية ذات علاقة بالنفط وأسعاره. وبالتالي فان تضارب المصالح النفطية سيفتح الأبواب عريضة أمام سوء استغلال الثروة النفطية).

-         انه يعوض النواقص ويتخطى العقبات التي تحول دون قيام فضاء عربي مستقل بذاته.

-    أن الثروات الأفريقية البكر تجذب الرساميل الاجنبية وتغريها. وخاصة اسرائيل التي تسعى للتغلل في المنطقة. وبالتالي فان افريقيا هي عنصر جذب هام للأموال وللاستثمارات العربية في حقول عديدة ومتنوعة.

-      انه يقدم الحل لاشكالية الانتماء عند العرب الأفارقة (يشكلون 65% من العرب). دون المساس بانتماء العرب الآسيويين الذين سيدخلون في فضاء يدعم مصالحهم وعروبتهم.

-      ان تنوع الفضاء العربي الأفريقي وتعدديته يدعمان امكانيات اتصاله وتعاونه مع الفضاءات الأخرى ( هي تعددية في غالبيتها وتملك حساسية في التعامل مع فضاء اتني).

-      ان الفضاءات القائمة راهنا" ،وكذلك تلك التي هي في الطريق الى التشكل، هي فضاءات مغلقة في وجه العرب (بمعنى انها لاتقبلهم بعضوية كاملة ومساوية). في حين يبقى الفضاء الأفريقي وحده المفتوح امامهم وبعضوية كاملة.

-      ان التواجد العربي في افريقيا قائم ومؤثر ويمكنه ان يشكل قاعدة انطلاق للمصالح العربية في الفضاء الأفريقي. فهو يتراوح بين التواجد الفردي للمهاجرين وبين الوجود اسياسي والاقتصادي. مضافا" اليه تاريخا" من المساعدات العربية المتنوعة للدول الأفريقية.

-      ان العرب هم مؤسسو منظمة الوحدة الأفريقية وداعمو نضالات الشعوب الأفريقية على مدى العقود الماضية. ولذلك فهم يستحقون وضعية مميزة  في هذا الفضاء.

-      ان محاولات الاختراق الاسرائيلية لأفريقيا تهدف الى تأمين موارد اقتصادية ثابتة تحول الاقتصاد الاسرائيلي من اقتصاد معونات الى اقتصاد مستقل. فاذا ما نجحت (يجب التذكير هنا بالاحتكار اليهودي لتجارة الماس العربية). في ذلك فانها ستملك امكانيات الاستمرار الذاتي بما يضاعف خطرها على المنطقة وربما على العالم.

-      ان النقطة السابقة تجعل معركة مواجهة امتداد النفوذ الاسرائيلي في افريقيا معركة توازي في اهميتها  المواجهة على الحدود الجغرافية.

-      ان الفضاء هو اعلان عن نهاية الدول الوطنية والتجمعات الصغيرة. لكنه بعيد عن مجرد ادعاء الغائه للأتنولوجيا والانثروبولوجيا. بدليل استمرارية أثر محركاتهما وحتى النزاعات القائمة على اساسهما. فجل ما يطمح اليه الفضاء هو تقنين هذه المحركات من مبدأ تأمين المصالح المشتركة للأطراف المشاركة في الفضاء.

-      ان المصالح العربية الأفريقية المتشابكة معروفة ومرشحة مستقبلا" للتطور الى حدود التلازم ( الحفاظ على اسعار النفط والخامات الأولية والثروات البكر مثال ذلك النفط السوداني المكتشف حديثا" ليضع السودان في مقدمة الاهتمامات الاميركية في المنطقة). والفضاء المشترك هو افضل السبل المتاحة لحماية هذه المصالح المشتركة.

6.الجهوزية العربية للانضمام الى الفضاء المقترح.

          امام هذه الافضليات والمميزات التي يؤمنها الفضاء المقترح  يطرح السؤال حول جهوزية الدول العربية للانضمام الى هذا الفضاء؟. ومعه اسئلة حول العوائق والموانع التي تحول دون هذا الانضمام. وهي اسئلة لابد من استعراض أجوبتها المنطقية المقترحة ومن هذه الاقتراحات/ الأجوبة نعرض ل:

أ‌.     ان دول الخليج العربي تتعرض لضغوط غير اعتيادية. وهي ضغوط تهدد الأمن الخليجي عموما" وتستوجب المعالجة الطارئة. (بما يؤخر تفكيرها في الانضمام الى أي فضاء. ويشجع احتمالات توريطها في فضاءات فرعية).

ب‌.         ان ما يجري في العراق منفصل تماما" عن المسألة الكويتية وهو يشكل اذلالا" أميركيا" صريحا" لكل العرب.

ت‌.     ان دول الطوق ،والفلسطينيين, عرضة للتهديدات الاسرائيلية متعددة الصعد. حيث أمنها يحتل واجهة اهتماماتها. وان كان ذلك لايمنع ضرورة تفكيرها بستقبل مصالحها.

ث‌.     الدول العربية-الأفريقية ( تشكل ثلثي سكان الوطن العربي) جاهزة لتبين مصلحتها في الانضمام الى هذا الفضاء.

7. بوش والفضاء الأفريقي                                                                                           يتبدى الطابع الصدامي المكشوف لسياسة ووكر بوش منذ مواقفه الأولى. اذ قبل التحدي الاقتصادي باقراره مشروع خفض الضرائب. مستندا" في مغامرته على الاستعداد لاستخدام الهيمنة لاصلاح اية اعطال اقتصادية طارئة قد تنجم عن هذا القرار (مثل اللجوء الى رفع اسعار النفط لتعويض اية خسارة اميركية على حساب اوروبا واليابان). وتأكدت صدامية الرئيس الجديد عبر اصراره على مشروع الدرع الصاروخي (تتمة لبرنامج ريغان "حرب النجوم" الذي يعلن بوش انه مثاله الأعلى). كما في التراجع عن اعترافات كلينتون بوجود مصالح حيوية للآخرين. اذ عادت المخابرات الاميركية للتدخل في شمال افريقيا بعد انقطاع (دام منذ تعديلات الاطلسي ولغاية استلام بوش الذي سجل عودة العنف الجزائري وعرقلة جهود المصالحة الصومالية الخ). مع تدخل معلن في السودان (نقلت الصحافة الاميركية تهديدا" للسودان بان عليه الأختيار بين التعاون النفطي مع الولايات المتحدة وبين نشوب حرب اهلية في جنوبه). عداك عن جهود بوش في ضرب استقرار سائر انحاء القارة الأفريقية. عن طريق التدخل في اعادة احياء الصراعات فيها. حتى امكن الحديث عن جولات اميركية عقابية للقارة الافريقية. خصوصا" وأن بوش لم يخرج على السلوك الجمهوري الذي يقدم المخابرات ويعطيها أولويات يتحفظ عليها الديمقراطيون. لكن هذه الصدامية لاتعني بحال الاستسلام للتهويلات الأميركية. اذ ان عودة الى بداية عهد ريغان تشير الى انه هو ايضا" بدأ عهده صداميا" مهولا" اعتمادا" على مبدأ نيكسون القائل :" قد نضطر من آن لأخر ان نهدد اعداءنا بالا يعتمدوا دائما" على حكمتنا. اذ ان بمكاننا ان نأخذ قرارات مجنونة احيانا" ". لكن ريغان سرعان ما عاد الى صوابه واستبدل وزير خارجيته المصادم الكسندر هيغ لاسترضاء الاصدقاء المنزعجين من عدوانية دبلوماسيته. وعليه كان من الطبيعي ان نجد اصرارا" عربيا" وأفريقيا" على الاستمرار في جهود ارساء الاتحاد وحل النزاعات وفتح الآفاق امام الفضاء. من هنا كان التريث (بعد صدامية وغموض دبلوماسية بوش) في دفع مشروع الفضاء العربي الأفريقي. مع الانتقال  للدعوة الى الاتحاد العربي المستند الى تجربة الاتحاد الافريقي. حيث ينتظر ان تنظر القمة العربية القادمة الى هذا المشروع ودرس وسائل تحقيقه واخراجه للنور. وهـذا يقودنـا الى عرض مختصر لهذا المشروع.

8. ليبيا والاتحاد العربي.

          يقترح المشروع  اتحادا" عربيا" تعاهديا" على نمط الاتحاد الافريقي. وهو طرح يعكس مرونة سياسية فائقة. حيث ادراك المعوقات واستيعاب المتغيرات الدولية جعلا الطرح ينتقل من الدعوة لفضاء مشترك الى اتخاذ خطوة موازية للخطوة الأفريقية التي خطاها ثلثي العرب. وباختصار شديد فان هذا الاتحاد المقترح يؤمن الفوائد العربية التالية:

أ‌.     تحت مسمى "المجلس الاتحادي الأعلى" (الذي يضم الملوك والرؤساء العرب) تستوجب مؤسسة الاتحاد عقد مؤتمر للمجلس مرة كل ستة اشهر. وفي ذلك تقنين للقمم العربية. مع وضعها في اطار مؤسساتي يخفف من الضغوط المحتملة للحؤول دون عقدها.

ب‌.     يدرج المشروع آلية المؤتمر القومي العام التي تؤمن تمثيلا" شعبيا" في الاتحاد. قوامه اعضاء تختارهم الهيئات التشريعية او الهيئات البديلة لها. على ان يكون عدد اعضاء المؤتمر متساويا" بين الدول. ويقوم المؤتمر بطرح ما يراه مناسبا" من اقتراحات وتوصيات. ويقوم بمهمة رقابة على عمل المجالس التنفيذية المنبثقة عن الاتحاد.

ت‌.     انشاء مصرف مركزي اتحادي تكون مهمته توحيد السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية في الدول الاعضاء. وصولا" الى دمج مؤسسات الاصدار فيها وتكوين احتياطي نقدي عربي. مع العمل على توحيد وحدات النقد على طريق اصدار عملة عربية موحدة.

ث‌.     تتولى "محكمة العدل العربية " التي يدعو المشروع لانشائها مهمات مراقبة الآليات العملية لتأسيس الاتحاد. وتكون المرجع القضائي الرئيسي الذي يتولى الفصل بين النزاعات التي قد تنشأ بين الأعضاء. وتلك التي تتصل بتفسير بنود الميثاق.

9.الخلاصة 

          ان الفوضى العالمية الراهنة غير مرشحة للاستمرار كون الفوضى معاكسة للمجرى الطبيعي للأمور. ويكفينا ان نرصد سياسات الافقار المتبعة ضد الدول العربية ،دون استثناء، كي نستشعر الأخطار المهددة لمستقبلنا في عالم تحول فيه مفهوم الصراع من العسكري الى الاقتصادي. فافقارنا يتم اما عبر النهب المباشر للثروات او عبر الحصارات متعددة الدرجات والاشكال أو عبر تقديم الحماية على طريقة الكوزا نوسترا (المافيا). حيث يفتعل المافياوي المشاكل ويخلقها لكي يعرض الحماية منها وحلها.

هكذا فان حماية مصالحنا والتصدي لسياسات افقارنا وسلب مواردنا هي الهدف المستقبلي الرئيس والشرط الحيوي لاستمراريتنا. وما تعرضه ليبيا هو كناية عن مجموعة اقتراحات منتقاة من ضمن ممكنات الراهن وقابلة للتحول الى وقائع مستقبلية في حال تبنيها والعمل على اقرارها. وعليه فان من واجب المثقفين العرب ومن مسؤوليتهم التعمق في هذه الطروحات الجيوبوليتيكية واتخاذ المواقف الواضحة والصريحة منها.                    عودة الى الرئيسية