|
مركز الدراسات النفسية م.د.ن. |
|||||
|
|
لشراء اصدارات المركز واعداد ومجلدات مجلة الثقافة النفسية المتخصصة .... إضغط هنا |
|
تعيش امتنا العربية، في هذه الايام، حقبة حاسمة من تاريخ نضالها
ساعية لاستعادة تنظيمها (Reorganisation)
في عالم تعج به الامواج والانواء والاعاصير والتقلبات ويزداد فيه
الصراع وتحتدم فيه المنافسات الاقتصادية والتكنولوجية والتطاحن
العالمي والاقليمي والمحلي.
المدرسة العربية
يواكب هذه الدعوة العملية التطبيقة في فكر العلامة/محمد النابلسي دعوات
اخرى لا تقل اهمية ولا قدرا ولا شرفا عن دعوة التطبيق وهي تكوين مدرسة
عربية في علم النفس. بحيث تنبع حقائقها ومعطياتها من الواقع العربي وهو
ما زال مجالا خصيا وبكرا امام الباحث العربي في العلوم النفسية. وذلك
حتى لا يقال ان علماء النفسي في بلادنا ان هم الا مجرد نقلة ومترجمون
للتراث السيكولوجي في بلاد الغرب. واذا كان هذا الوضع صحيحا لاصبح علم
النفس المنقول غريبا وبعيدا عن الروح العربي الاصيل. وغير معبر عن
اعماق الشخصية العربية... تلك الشخصية التي تربت ونشأت وترعرعت على
ضفاف الثقافة العربية، وهي ثقافة. ولا شك، اصيلة وراقية.
والكتاب الذي اشرف بتقديمه للقارئ العربي الكريم عبارة عن حلاصة فكر
عالم عربي يمتلئ حسه ووجدانه بالحماسة لكل ما هو عربي ووطني صادق. ولقد
أفراد الدكتور النابلسي الفصل الأول من كتابه للدعوة لضرورة قيام «
مدرسة عربية للطب النفسي ولعلم النفس » وفي هذا الفصل يورد المبررات
الداعية لقيام علم نفس عربي المنشأ والمادة والمنهج ويعني بالشخصية
العربية ومشاكلها، وكيفية تنميتها.
ويتبع هذه الدعوى لاقامة « علم نفس
عربي ». ضرورة ترجمة التراث العلمي الغربي، مع ضرورة الاتفاق بين
العلماء على المصطلحات الفنية المستخدمة في مجال علم النفس وترجماتها
من اللغات الأجنبية تسهيلا وتيسيرا للتواصل العلمي بين علماء النفس على
امتداد عالمنا العربي.
وبطبيعة الحال كان لا بد للدكتور
النابلسي أن يدعو إلى ضرورة التوسع في إجراء البحوث الميدانية العملية
على واقع البيئة العربية , ثم توثيق هذه البحوث وربطها بشبكات الحاسب
الالي لسهولة تداولها بين المشتغلين بعلم النفس والطب النفسي. ومن ثم
التنسيق وتبادل الاستفادة ومنع التكرار وضياع الجهود.
|
|
|
|
ويمتاز الفكر السيكولوجي عند الدكتور
محمد النابلسي بالشمولية والتكامل, وعلم النفس لا يقف في الميدان
مستقلا عن غيرة من العلوم والمعارف الأخرى, وانما يتفاعل ويترابط
وإياها فيتفاعل مع الطب الأدب والفلسفة والهندسة وعلم الاجتماع
واللغويات والتربية.
ولذلك نبه النابلسي، وبكل الحق، اننا "هنا نستنتج استحالة تطبيق أي
اختبار نفسي وفق الاسس والاصول الغربية في مجتمعنا العربي اذ ان
القواسم المشتركة تكاد تنعدم نل وتتناقص في اكثر من ناحية ويلخص ذلك في
شكل الصعوبات اللغويه، واختلاف النظام الأسري ومكانه الرجل والمرأة
واساليب التنشئة الاجتماعية للذكر والانثى في مجتمعنا العربي عن
نظائرها في المجتمع الأوروبي.
وينادي الدكتور النابلسي بضرورة صبغة المعالجات النفسية في البيئة
العربية بالصبغة العربية والثقافية والأخلاقية. وفي قضية النقل
والاقتباص عن الغرب ينبغي ان نقول ان الاقتباص والنقل والاستفادة من
حضارة الغرب وعلومه العلاقة بين الطب وعلم النفس يدعو النابلسي الى
تحاشي صراع الاختصاص وبدلا منه يدعو الى قيام التعاون بين الطب
والمشتغلين به وعلم النفس والقائمين عليه. كما يدعو الى قضية بالغة
الاهمية والخطورة وهي ضرورة نشر الوعي النفسي او الثقافة النفسية كسبيل
اكيد للوقاية والحماية من الاصابة بالامراض النفسية والعقلية
والسيكوسوماتية، وذلك بالاكثار من الندوات وعقد المؤتمرات ونشر الكتب
والكتيبات والمجلات القاء المحاضرات العامة في مجال التوعية الصحية.
والحقيقة ان قضية التوعية قضية بالغة الاهمية، فهي تحمي المواطن العربي
من الوقوع في مستنقع المرض العقلي. او السقوط بئر الادمان او الوقوع في
برائن الجريمة والانحراف والازمات او الوقوع في برائن الجريمة
والانحراف والازمات النفسية تبدد طاقة الانسان وتهدها وتشتت الانتباه
وتقضي على الطاقة الانتاجية، ولذلك فان العلاج انما هو ضرب من ضروب
الاستثمار النافع، وليس من قبيل الخدمات.
وفي مجال العلاج يتحدث د. النابلسي عن ضرورة قيام فريق متنوع التخصص
بعملية العلاج بدلا من ان ينفرد به معالج واحد. وذلك استكمالا للصورة
المرضية، وشمولا وتبادلا للخبرات. ولا يفوت الدكتور النابلسي ان يدعوى
الى ضرورة تأهيل وتدريب الطبيب النفسي تأهيلا علميا واخلاقيا ومهنيا.
ولا ينسى الدكتور النابلسي انه عاش وعاصر وكابد من ويلات الحرب التي
اندلعت شرارتها على ارض وطنه الام لبنان الشقيق، ولذلك تحدث عن عصاب
الحرب اللبنانية، والهلع من السيارات المفخخة والاضطرابات العقلية
والنفسية والعصبية والسيكوسوماتية التي تعقب صدمة الحرب وضغوطها
النفسية.
وفي ختام هذه الدراسة الرائدة يستعرض الدكتور النابلسي مناهج البحث في
حالات الكارثة، وطرق اجراء فحص الذين يتعرضون للصدمات والتعرف على
الاثار الجسمية والنفسية التي تدركها الصدمة في شخصية المصدوم.
ومن امثلة الصدمات الحروب والزلازل والبراكين والفيضانات والسيول.
وبعد، فهذه رحلة عابرة في ارجاء فكر النابلسي السيكولوجي ودعاويه
للنهوض بهذا العلم الفتي والشاب والحديث والاستفادة منه الى اقصى درجات
الاستفادة في النهوض بعالمنا العربي. وفوق كل شيء في النهوض بالانسان
العربي الذي هو اغلى ما نتملكه من ثروات. |