مركز الدراسات النفسية م.د.ن.
التحليل النفسي ... ماضيه ومستقبله
   
لشراء هذا الكتاب/ اضغط هنا  

عودة الى الرئيسية

اصدارات المركز

مجلة المركز

اشترك في المركز

 

لشراء اصدارات المركز واعداد ومجلدات مجلة الثقافة النفسية المتخصصة   .... إضغط هنا

 

 

التحليل النفسي... ماضيه ومستقبله
 

 

 

بدأ التحليل النفسي بوصفه وسيلةً جديدة لعلاج الاضطرابات النفسية والعصبية مع فرويد، الذي وضع أسس هذا العلم وآلياته وطرق ممارسته ومصطلحاته. لكن هذا المنهج عانى ما تعانيه المناهج الفكرية حين تنتقل من المؤسس إلى أتباعه ومنهم إلى مناطق جغرافية شتى تختلف مرجعياتها الفكرية والاجتماعية، لذلك تباينت الرؤى والأفكار والتصورات حول القضايا الواحدة، بالرغم من بقاء المجرى الفكري الأساسي الذي يغذي كل هذه الروافد واحداً.

          في هذه الحوارية المتميزة يقدم لنا عالمان جليلان من علماء التحليل النفسي الرؤية الواضحة والعميقة لهذا العلم الذي يُعدُّ واحداً من العلوم الأساسية التي أثرت في القرن العشرين ومازالت فاعلة إلى الآن. فأوضحا المعالم الأساسية للتحليل النفسي ومسيرته التاريخية وطرقه وتقنياته والتيارات التي نشأت عنه، ومن هم تلاميذ فرويد الذين أبدعوا مدارس جديدة في التحليل النفسي، وأين وصلت الأبحاث المستمرة لهذا العلم؟ ومن العلماء المعاصرون، وما هي إسهاماتهم في المجالات الفكرية من فنون وآداب وفلسفة.

هل سقطت الفرويدية وماذا قدمت للفكر العربي المعاصر؟  

توقع فرويد أن الطب قد يكتشف يوماً ما عقاقير قادرة على علاج العوارض النفسية التي يعالجها التحليل النفسي. ورأى أن التحليل سوف يحتفظ بمكانته لحين ظهور هذه العقاقير. وهو قد يبدو قابلاً للإهمال بعدها.

وصدقت نبوءة فرويد بعد وفاته بثلاثة عشر عاماً 1952م، حين ظهر دواء الكلوربرومازين، ومن حينه لا تزال صناعة الأدوية النفسية في تطور مستمر.

ومع ذلك فإننا لا نزال نتساءل: هل سقطت الفرويدية؟

فهل يعود هذا التساؤل إلى عدم كفاية الأدوية النفسية أو تراه يعود إلى قدرة الاستمرار التي اكتسبها التحليل النفسي بعد التعديلات التي أدخلها أتباع فرويد عليه؟

الوقائع العيادية من جانبها تنفي الاحتمالين معاً. فالنتائج الحاسمة التي تعطيها الأدوية النفسية هي نتائج لا ترقى إليها الشكوك. هذا مع الاعتراف بآثارها الجانبية وتقرير ضآلتها بالمقارنة مع منافع الأدوية. أما عن التعديلات المدخلة على التحليل النفسي فيمكن اعتبارها السبب الرئيسي المساهم في تراجع الفرويدية. وبذلك نعاود السؤال عن سبب صمود الفرويدية حتى اليوم؟

وهو سؤال لن نجد إجابته بطرح فرضيات أو عناوين. فهذه الإجابة تحتاج إلى تدقيق ومتابعة تاريخية لحركة التحليل النفسي منذ إنشائها حتى اليوم، وكذلك متابعة مراحل تطور الفكر العلمي لسيغموند فرويد مؤسس الحركة. وهي متابعة تقتضي الفصل بين الفرويدية وبين التحليل النفسي؛ لأن المتابعة ستظهر لنا انطواء الفرويدية على الكثير من الكذب، وحتى التزوير العلمي، وكذلك على رغبة عارمة بالسيطرة. كما ستظهر لنا متابعة الحركة وجود تيارين رئيسيين فيها. الأول عامل على تطوير المبادئ الفرويدية وعلى تقويمها وتطويرها، والثاني ذو ميل للخروج عليها ودمج بعض عناصرها في نظريات علاجية أخرى.

وهكذا فإن الموضوعية ستدفعنا للفصل بين محاكمة الفرويدية، ومحاكمة التحليل النفسي والتمييز بينهما، تجنباً لتحميل النظرية بعض هنات وأخطاء واضعها. وهو خطأ شائع في المراجعات العلمية.

والمحاكمة التي نحن بصددها تفقد كل عناصر الموضوعية، لو أننا أهملنا العودة إلى الزمن التاريخي لنشوء وتطور النظرية وللظروف الحياتية لفرويد. وبغير ذلك يصعب علينا مناقشة الإسقاطات الفرويدية على النظرية. خصوصاً أن هذه الإسقاطات مموهة بالنقد الذاتي وبالاعترافات والمراجعات الفرويدية الذاتية. وهذا ما يجعل من متابعة السيرة الفرويدية ضرورية لبدء هذه المحاكمة ولتصويب احتمالات الشطط فيها. وقبل أن نقدم العرض الموجز لهذه السيرة نجد من الإنصاف أن نذكِّر بأن الانشقاقات التحليلية قامت انطلاقاً من أفكار فرويدية، ولم تكن إبداعات مؤسسة للمنشقين. فقد أرسى أوتو رانك (O. Rank) تياره عبر كتابه (صدمة الولادة)، وهي فكرة فرويدية وردت في كتابات فرويد حول (الصدمة).

أما عقــدة (الدونية/ التفــوق) التي بنى عليها ألفرد آدلر (A. Adler) نظريته، فهي على علاقة بحديث فرويد عن الشعور بالدونية في مناسبات عديدة. ونأتي إلى كارل غوستاف يونغ واهتمامه باللاوعي الجمعي وبالماورائيات لنجد أن فرويد قد قدم دراسات عديدة في هذين المجالين، فقد ناقش موضوع اللاوعي الجمعي في عدة كتابات منها (موسى والتوحيد) و (التحليل النفسي للنكتة).

أما عن الماورائيات فقد انطلق فرويد مما وراء علم النفـس ليصل إلى الماورائيات دون أن يغرق فيها، مع نصحه لأتباعه بعدم الغرق فيها أيضاً.

أما عن إدخال اللسانية في مجرى العملية التحليلية (الذي ركز عليه لاكان وجعله محوراً لنظريته. لدرجة القول بأن اللا شعور مبني على غرار اللغة)، فإننا نورد هذا المقطع من كتابات فرويد إذ يقول: ((إن الترابط والتقارب الفكري (العلاقة اللسانية بحسب لاكان) بين كلمتي (Urmensch) وتعني الجد بالألمانية وكلمة (Uhrmensch) وتعني بالألمانية، الرجل - الساعة، هو تقارب جعل الساعة مرتبطة بالأب في لاشعور المريضة. والأمر نفسه يصح بالنسبة إلى جورج ديفريه (G. Devreux) صاحب نظرية التحليل الاثني المرتبطة بكتابات فرويد عن (موسى والتوحيد) كما يصح بالنسبة إلى صاحب نظرية القدر ليوبولد سوندي المشتقة أساساً من مبدأ ثنائية العواطف ومن عقدة قابيل، ومن العلاقة بين السادي والمازوشي، وأيضاً في حديثه عن أزواج المتعارضات، وإن نجح سوندي في الخوض في موضوع الوراثة الذي ينتمي إلى الصخرة البيولوجية التي كان فرويد يهابها ويتجنب الاصطدام بها.