نحو استراتيجية عربية
 لمواجهة الصدمات والكوارث
 
دراسة مقارنة بين النموذجين اللبناني والكويتي

         الدكتور عبد الفتاح دويدار                           الدكتور حسن الصديق       

 

 

 

المقدمــــة

تعرض العرب خلال القرن العشرين لمواجهات صدمة عنيفة يحتاج تصنيفها الى دراسة منفصلة. لذلك نوزع هذه الصدمات، باختصار شديد، على المجموعات الاتية:

1 - الصدمات القومية (فشل مشروع الدولة العربية وبروز اتفاق سايكس - بيكو والتقسيمات الحدودية الاشكالية. ثم نكبة فلسطين ونكسة 1967 واجتياح لبنان... الخ).

2 - الصدمات القطرية الداخلية (النزاعات الاهلية في لبنان واليمن وسوريا وعمان والجزائر والسودان... الخ).

3 - الصدمات بين القطرية (النزاعات العربية - العربية وحرب الخليج الثانية خير نموذج).

4 - الصدمات الاصطناعية او الطبيعية (زلزال وفيضانات وانهيارات وحرائق... الخ).

اللافت ان هذه الصدمات لم تجر دراستها. فاذا ما استثنينا الحرب اللبنانية وحرب الكويت فاننا لا نجد اية دراسة عربية للصدمات وللكوارث التي تعرض لها عالمنا العرب على مدى قرن كامل.

ولعل هذا الغياب يعود جزئيا الى تأخر دخول العلوم النفسية الى العالم العربي، حيث تأخرانشاء اول كلية للعلوم النفسية في الدول العربية الى العام 1952 الذي يمكن اعتباره عام الانطلاقة العربية لهذه العلوم. واذا كانت خسارة نصف القرن العشرين تجد تبريرها بالجهل فكيف يمكننا تبرير هذا الغياب في النصف الثاني من القرن العشرين؟

لكننا نجد ان من الاجدى تقديم دراسة تحليلية مقارنة بين نموذج دراسات الحرب اللبنانية. متمثلا بدراسات الدكتور محمد احمد النابلسي وبين نموذج دراسات آثار الحرب الكويتية متمثلا بدراسات الدكتور بشير صالح الرشيدي. حيث سيقوم الدكتور حسن الصديق بمهمة تحليل التجربة اللبنانية والدكتور عبد الفتاح دويدار بتحليل التجربة الكوميتية. وحيث يمكن لهذه التحليلات ان تساعدنا على تلمس علائم استراتيجية عربية لمواجهة الشدائد وحالات اضطراب الشدة عقب الصدمية (P.T.S.D) في العيادة العربية.

اختلاف ظروف التجربتين

تفترض المقارنة بين النموذجين البدء بتوضيح الظروف الخاصة لكل منهما على حدة. وباختصار شديد نلخص هذا الاختلاف بالنواحي الاتية:

أ - توقع الكارثة : كانت الكارثة اللبنانية متوقعة وذات بداية تدريجية متصاعدة وممتدة زمنيا. في حين كانت الكارثة الكويتية مفاجأة وصاعقة وغير ممكنة التجنب. ومن المعتاد ان تكون الكارثة الفجائية اعمق اثرا واكثر احتمالا للتجسيد  (Somatisation)والازمان.

ب - مدة التعرض للكارثة: امتدت تهديدات الحرب اللبنانية على مدى سنوات هذه الحرب البالغة سبعة عشر سنة. مقابل التهديد المحدود زمنيا للحرب. الاخيرة جعل شدتها تستمر لبضع سنوات بعد نهايتها عبر هوام تكرار الكارثة. والخوف من التكرار هو نوع من انواع اجترار الكارثة.

ج - نوعية الصدمات المرافقة للكارثة: حيث الفارق بين التجربتين هو الفارق بين تجارب الحرب الاهلية والحرب التقليدية حيث تمتاز الاولى بتهديد اكثر مباشرة للمدنيين وباقترابها من حرب الشوارع. لكن الخوف من تطور الصراع باتجاه استعمال الاسلحة غير التقليدية جعل التجربتان تمارسان انعكاسات متشابهة مع اختلاف اشكال التهديد.

د - الاستعدادات في مواجهة الكارثة: كان اللبنانيون اكثر استعدادا لمواجهة الكارثة. بل ريما كانت كثافة هذه الاستعدادات سببا في تعجيل اندلاع الحرب الاهلية. في حين انعدمت استعدادات الكويتيين لغاية اصابتهم بالذهول وبعدم التصديق.

هـ – مصير الكارثة: الآن وبعد ان تم تطويق الكارثتين، فإن البحث بات متركزا حول مصير الصدمات المصاحبة للكارثة. واذا كان هذا المصير متشابها في معظم الحالات فإن الاختلاف يأتي من واقع تكرار الصدمة لدى اللبنانيين بالمقارنة مع الكويتيين. ومن البديهي القول بأن التكرار يجعل مصير الصدمة ومستقبلها اكثر ظلامية.

 

نقاط التشابه بين التجربتين

وجه الاختلاف بين هاتين التجربتين يستند الى اختلاف شكل الكارثة. لكن وجوه الالتقاء كثيرة وكافية للتقريب بينهما. حيث يكاد الشعبان يملكان ارضية انتروبولوجية - ثقافية متشابهة لدرجة التطابق. فبالاضافة الى عوامل الشخصية القومية المشتركة (دون اهمال الفوارق القطرية) فقد كان لكل من لبنان والكويت دور وظيفي في محيطه. وكان كلا الدورين متشابهان لحد بعيد. ولعلهما يتبديان بصورة شديدة الوضح عبر طريقة شغر هذا الدور الوظيفي بالنسبة البلدان المجاورة لهذين البلدين.

وهذا التشابه في التركيبة والدور الوظيفيين يولد اختلاف نتائج الكارثة من زاوية الانتماء. حيث كان طول مدة الحرب اللبنانية دافعا لهجرة اللبنانيين الى الخارج ومعها متلازمة تكييف شبيهة بمتلازمة التكيف التي عاشها الكويتيون بعد عودتهم الى بلادهم.

تبقى الاشارة الى ان وجه التشابه الرئيسي بين التجربتين يكمن في الأشكال الاكلينيكية المزمنة للصدمة . وهي اشكال متطابقة في كلتا التجربتين. حيث تشير الدراسات والملاحظات العيادية الى ارتفاع ملحوظ في نسب اصابات الاشكال الصدمية المزمنة وخصوصا:

أ - عصاب الوساوس المرضية Hypochondria.

ب - الامراض السيكوسوماتية على انواعها (امراض الشدائد).

ج - الامراض النادرة او ما يسمى بأمراض الاجهزة.

وهذه الاشكال تقتضي مسحا احصائيا دقيقا ومقارنة بمعطيات ما قبل الكارثة، لما لهذه الاحصاءات من اهمية في تحديد الخطوات الوقائية ورسم السياسات الصحية في كلا البلدين.

التجربة الكويتية

كان لمكتب الانماء الاجتماعي دوره الفاعل في دراسة الكارثة الكويتية وانعكاساتها ومتابعتها طويلة الآمد. ولقد ساهم في نضج هذه التجربة مجموعة النشاطات العلمية (بحوث ميدانية وتدريبات نظرية ومؤتمرات محلية ومشاركة في مؤتمرات ودورات تدريبية في الخارج).

وكان يشرف رئيس مجلس امناء المكتب.أ.د. بشير صالح الرشيدي يشرف على هذه النشاطات ويوجهها. من هنا  نجد ان اعمال البروفسور الرشيدي تلخص هذه التجربة وتعكسها بأمانة لذلك فإننا سنعتمد في تحليلنا على اعماله وخصوصاً كتاب له بعنوان: «العرب وسيكولوجية المجتمع».

التجربة اللبنانية

مركز الدراسات النفسية والنفسية - الجسدية كل صاحب اليد الطولي بالنسبة للدراسات النفسية المتعلقة بالحرب اللبنانية، بل ان المركز قام بتقديم المراجع العربية الاولى في مجال الصدمة. فقد نشر المرجع الاول في العام 1985 واتبعه بالثاني في العام 1991 وبينها مشاركات في مؤتمرات محلية وعربية وعالمية وبحوث منشورة في مجلسة المركز «الثقافة النفسية المتخصصة».

وعلى غرار البروفسور الرشيدي فإن البروفسور محمد احمد النابلسي هو محور نشاطات المركز وموجهها. لذلك فاننا سنعتمد اعماله في تحليلنا للتجربة اللبنانية.

تكامل التجربتين

ان قراءة التحليل الرجعي Meta Analysis» للتجربتين تبين لنا ان التجربتان تكملان بعضهما وتتكاملان لتقدما ارهاصا اوليا لاستراتيجية عربية لمواجهة الكوارث وصدمات الحروب بصورة خاصة. اذ يعتمد الدكتور الرشيدي على نظرية العلاج الواقعي (جلاسر) وعلى الاسلوب الاميركي في قياس الصدمات وهو قطع شوطا كبيرا في هذا المجال، حتى توصل الى تكوين فريق عمل متجانس تمكن من تدريب اختصاصيين في البلدان المتعرضة للكوارث. في حين يركز الدكتور النابلسي على النمط الاوروبي في دراسة الكوارث. فيوجه عنايته لدراسة اثر شدائد الكارثة في احداث الاصابات السيكوسوماتية. وهذا ما يدعوه للتشديد على ضرورة دراسات المتابعة طويلة الامد لهذه الحالات. وهكذا فإن الجمع بين مقاييس الصدمة الاميركية وبين تطبيقات الاختبارات الاسقاطية على المصدومين يمكنه ان يكون مؤسسا لاستراتيجية عربية خاصة في التشخيص والعلاج واساليب التدخل في الازمات الناجمة عن اوضاع كارثية.

 

    د. عبد الفتاح دويدار                                د. حسن الصديق

استاذ علم النفس – جامعة الامارات                     استاذ متفرغ في قسم علم النفس – الجامعة اللبنانية

 

 

الفصل الاول

    قراءة تحليلية في النموذجين اللبناني والكويتي

1- قراءة تحليلية لاعمال الدكتور الرشيدي

عاد الدكتور بشير صالح الرشيدي الى الكويت في العام 1982 حاملا شهادة دكتوراه في علم النفس من جامعة اوهايو في الولايات المتحدة.

وفي العام ذاته اسس الدكتور الرشيدي المركز الاول للارشاد النفسي في العالم العربي.

وكان لعمله في هذا المركز اكبر الاثر في التعرف على دقائق ونقاط الضعف والقوة، في ديناميات علاقة الفرد بالمجتمع. وبذلك كان الاقدر على جلاء وتحديد التغيرات الطارئة على هذه الديناميات بسبب حرب الخليج الثانية. وهو قام بتأسيس مكتب الانماء الاجتماعية بتكليف من امير دولة الكويت. وذلك في نوفمبر العام 1992. ويختص هذا المكتب برصد وتتبع الاثار النفسية والاجتماعية والتربوية التي خلفتها الحرب على الكويتين.

شغل الدكتور الرشيدي منصب رئيس مجلس امناء المكتب الذي بات يضمن نخبة من الاختصاصيين ذوي المستوى العالمي في مجال ضغوط ما بعد الصدمة. وتراكمت لديهم خبرات عربية وعالمية عبر النشاطات التي خططها الدكتور الرشيدي وسهر على تنفيذها، وتضم هذه النشاطات الى المؤتمر السنوي سلسلة من الدورات التدريبية التي يشارك فيها نخبة من الاختصاصيين العرب والاجانب في مجال الصدمة.

كما قام المكتب بنشر مجموعة من المراجع الاكاديمية في المجال منها عشرة مجلدات يضم كلا منها مجموعة الاعمال والبحوث المقدمة في كل سنة خلال مؤتمر المكتب. بالاضافة الى قائمة طوية من المراجع في المجال.

لقد تفاعل د. الرشيدي تفاعلا ايجابيا وعايش عن قرب معاناة مواطنيه خلال الحرب. ونتيجة لهذه المعايشة العميقة بعشرات البحوث العلمية الموجهة لدراسة الاثار النفسية والاجتماعية والتربوية للحرب واتصفت بحوثه بالاكاديمية الرزينة وبالعمق المقترن بنظرة شمولية جامعة. مستندا في ذلك الى تكوينه الاكاديمي الراسخ ومنهجيته الصارمة والى خبرته في دينامية العلاقات في المجتمع الكويتي. وهي الخبرة التي اكتسبها عبر عمله في مركز الارشاد النفسي الذي كان قد اسسه قبل ثماني سنوات من الحرب واكتسب من خلاله نظرة تحليلية - كيفية للواقع النفسي الكويتي.

هذا ما جعله صاحب قدرة مميزة على ملاحظة ورصد التغيرات الصدمية لهذا الواقع. لذلك استقبلت دراسات الرشيدي وبحوثه بحرارة من قبل المهتمين ببحوث الصدمة والعاملين في مجالها. وكذلك استقبلتهما الدوريات الاكاديمية المتخصصة.

ذلك ان بحوث الرشيدي تتصف بالعمق والتركيز وشمول التناول، بالاستناد الى منهجية علمية معاصرة للمستجدات في الميدان. تضاف الى ذلك ثقافته الواسعة وتجاربه الحياتية المعيشة اتي تتصف بغناها وتنوعها. وهذا ما يجعل دوائر اهتمامه تتسع بما ينعكس على بحوثه في مجال الصدمة بتناول اثارها على صعد مختلفة، بحيث تتداخل في هذه البحوث اختصاصات الانتروبولوجيا والسوسيولوجيا والتربية الى جانب السيكولوجيا.

هذا بالاضافة الى عشرات البحوث الاخرى المتعلقة بالصدمة عداك عن اشرافه على عدد كبير من هذه البحوث. حتى وصل فريق مكتب الانماء الاجتماعي على يديه الى العالمية. وبات هذا الفريق مطلوبا لتأهيل الاختصاصيين وتدريبهم على التعامل مع المصدومين وارشادهم وعلاجهم.

المرجع المميز

وهذا ويبقى كتاب «الحرب وسيكولوجية المجتمع» يبقى المرجع المميز والاثر العلمي الاهم في نتاج الرشيدي، هو الذي قاد خطواته الى العالمية حيث رئس فرق تدريب كويتية قامت بتأهيل المتخصصين في البوسنة وبنغلادش. مع الاشارة الى ان عالمية الرشيدي لا تنحصر في مجال الصدمة بل تتعداها الى مجالات اخصائية اخرى لعل اهمها واعزها عليه هو مجال «العلاج الواقعي» حيث قام بادخال هذه النظرية الى المكتبة العربية عبر ترجمات ومؤلفات عديدة، كما قام بادخالها الى العيادة العربية عبر ممارستها لها وتدريسها وعقد الدورات التدريبية حولها. وهو قد اضاف الكثير الى هذه النظرية عندما طوعها كي تلائم البيئة المحلية وعندما عمل على تطبيقها في علاج المصدومين، مستفيدا من خبرته في المجالين معا. اضافة لاختصاصه في مجالات الارشاد النفسي والاسري وكذلك في ادارة منظمات ومؤسسات الخدمة النفسية.

ولعل التحليل الرجعي لاعمال الرشيدي لا يكتمل دون الاحاطة بالجوانب الانسانية لتجربته والى خبراته المعيشية التي يضيق بنا المجال هنا لذكرها. الامر الذي يدفعنا لاعتماد كتابه «الحرب وسيكولوجية المجتمع» اداة لهذا التحليل. حيث يضم الكتاب منتخبات من دراسات الرشيدي وبحوثه في مجال الصدمة وهذه المنتخبات هي:

1 - الحرب النفسية ضد الكويتيين.

2 - مؤثرات الاحباط واساليب التكيف في المجتمع الكويتي اثناء العدوان.

3 - دوافع السلوك الاجتماعي للكويتيين اثناء العدوان.

4 - سيكولوجية جماعات العمل الكويتية اثناء العدوان.

5 - خصائص التكامل النفسي والاجتماعي لكويتيين اثناء العدوان.

6 - الخريطة النفسية والاجتماعية للشعب الكويتي اثناء العدوان.

7 - الاعراض الاضطرابية المصاحبة لمشكلة الطلاق في الاسرة الكويتية بعد صدمة الحرب.

8 - اثر العدوان وصدمة الحرب على بعض جوانب الانتماء.

9 - الامن الوطني الكويتي من منظور تربوي.

 

الاضطرابات النفسية

واذا اردنا فهما اعمق لاهمية هذه البحوث، والبحوث التالية لها، فان علينا ان نذكر بأنه من غير الممكن دراسة الاضطرابات النفسية بصورة تجريبية.

لذلك فان الوسيلة الوحيدة للحصول على معطيات جديدة حول هذه الاضطرابات هي استغلال التجارب العفوية في معايشة هذه الاضطرابات.

لقد استغل الرشيدي ردود الفعل العفوية لمواطنيه اثناء العدوان افضل استغلال.

وسخرنا بشكل علمي ليخلص منها بمعاينات ومشاهدات تتيح له تسجيل معطيات جديدة وغير مسبوقة حولها.

واذا اعدنا لكتاب « الحرب وسيكولوجية المجتمعن نجد ان المؤلف يهدي كتابه الى رفاقه في الاسر.

وهذا يعني ان الدكتور الرشيدي تعرض شخصيا لتجربة الاسر وان كان لم ينشر بحوثا حولها على حد علمنا. لكن هذه التجربة لا بد ان تضيف الى دراسات صاحبها ابعادا جديدة.

حيث تخيلت هذه الابعد عن طريق مقارنتها بتجربة المحلل الاميركي برونو دي بيتلهام الذي كتب عن تجربته في الاسر بصورة ادبية. وتحدث في حينه عن مواجهة الاسر بطريقة خاصة به اسماها «طريقة توقع الاسوأ» وعندما لا يحدث الاسوأ فانك تجد بعض الفرح والامل في قلب التجاري الحزينة.

والواقع انك لا تستطيع الفصل بين تجربة الرشيدي في مجال الصدمة، وبين تجاربه في العلاج والارشاد النفسي وادارة الخدمات النفسية فهذه التجارب متمازجة ومتقاطعة. وحسبنا ان نذكر منها قيام الرشيدي بإدخال العلاج الواقعي الى المكتبة والعيادة العربية واستخدامه في عمله العيادي ليصبح الرشيدي الرائد العربي لهذه المدرسة.

واخيرا نذكر تطويره لبرنامج، يستند الى نظرية الاختيار، للتعامل مع الذات. وهو ما عرضه في احدث كتبه بعنوان «التعامل مع الذات». في النهاية فان تجرية الرشيدي في المجال هي تجربة رائدة وغنية. كما انها مستوعبة لكافة التطورات الحديثة. وهي تؤسس بحق لاستراتيجية عربية للتعامل مع الصدمات.

            

2 - قراءة تحليلية - رجعية في بحوث الكوارث النفسية:

      اعمال الدكتور النابلسي في لبنان نموذجاً

تنطلق اهمية تجربة الدكتور محمد احمد النابلسي من واقع جمعه بين العمل العيادي والبحث والتدريس الجامعي والتأليف.

وهو الجمع الذي اعطى لاعماله طابع الشمولية والالتصاق بالحاجات المباشرة للجمهور وللمجتمع بصورة عامة مما ادى الى ارتفاع عامل اثر. اعماله واعطاها صفة السبق حتى انها استخدمت كمراجع اكاديمية في معظم البحوث والدراسات العربية في مجال الحروب والكوارث. وفي ما يلي نقدم عرضا تحليلياً - رجعيا Meta - Analysisلاعماله في هذا الميدان.

1 - الامراض النفسية وعلاجها - دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية.

وهو الكتاب الاول للمؤلف صدرت طبعته الاولى عام 1985 عن منشورات الجامعة. ثم طبعاته الثانية 1987 والثالثة سنة 2000 هن مركز الدراسات النفسية (م.د.ن.).

والكتاب هو اساساً دراسة عن سيكوسوماتيك الحرب عبر مقارنة تجمع بين السيكولوجيا الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع.

منذ صدوره العام 1985 اعتمد الكتاب مرجعا للتدريس الجامعي في معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية ثم في كلية الآداب وذلك لغاية العام 1994. وهو استخدم كمرجع اساسي لغالبية الرسائل الجامعية المعدة في لبنان والخارج حول الحرب اللبنانية. وكذلك في البحوث والكتب المؤلفة حول هذه الحرب.

والواقع ان المقارنة بين طروحات الكتاب وتصوراته المستقبلية وبين اتفاق الطائف تجعلنا نستنتج نوعا من التطابق بينهما فقد سبق المؤلف دعاة الطائف بطرحه لمبدأ (عفى الله عما مضى) منطلقا للسلم الاهلي كما دعى النابلسي الى ضم زعماء المليشيات للحكومة على ان تكون ممارستهم في اطارها من نوع السيكودراما السياسية. ومن ينجح من هؤلاء في الشفاء يدخل في الحياة العامة. اما من يفشل منهم فيكون عرضة للعقاب وفي حينه رأى المؤلف ضرورة تأمين الحماية لمعالجي هؤلاء الميليشياويين. منبهاً الى احتمالات ايذاء المتعالجين للمعالج أي الى اغتيال الرموز الوطنية التي لم تشارك في القتال وهذا ما حدث لاحقا وتكراراً. ويبدو النابلسي رافضا او متجاهلا للحل البراغماتي الذي اعتمده الطائف بقيامه بضم اعضاء الميليشيات الى الجيش اللبناني. وبالاضافة الى جملة هذه الطروحات، وتضمن الكتاب التحذيرات التالية:

1 - تأمين عودة تدريجية آمنة  للقانون، حتى لا تتفجر لدى المواطن عقدة الخوف من القانون  بحيث يتوق الى فوضى غيابه ولكن بدون تهديدات هذا الغياب أي انه يتوق الى الفترات الباردة في الحرب الاهلية.

2 - تأمين العلاج الاقتصادي انطلاقا من اعتبار المؤلف ان الوفرة الاقتصادية في العلاج الوحيد الناجح للفصام الناجم عن الحروب الاهلية.

3 - عدم اهمال المشاكل الصحية ذات العلاقة بشدائد الحرب وتجاهل دور هذه الشدائد في احداثها.

4 - التصدي لحل المشاكل الاجتماعية الناجمة عن الحرب ولكن بعد تصنيفها في جدول اولويات محدد وصارم.

5 - تشجيع دراسات المتابعة طويلة الامد للحالات الصدمية حتى لا تتحول الى مزمنة فتزيد من اعباء الرعاية الصحية.

وهكذا فاننا لا نبالغ بالقول ان هذا الكتاب كان قراءة مستقبلية تمكنت من استشراف اتفاق الطائف ومن تحديد نقاط ضعفة قبل توقيعه بست سنوات كاملة.

ولم يهمل النابلسي الدراسات الميدانية التي اعتمد فيها شكل الدراسات الوبائية (الجائحية) فعرب اختبار وودورث ماتيوس. وعدله ثم طبقه على عينة من اللبنانيين حيث بينت نتائج هذا التطبيق وجود معدلات عالية من الاكتئاب ومظاهر الصدمة والشكاوى السيكوسوماتية وايضا الامراض السيكوسوماتية. لذلك نقول بان عامل اثر الكتاب وهيمنته على الدراسات المتعلقة بالحرب كانتا نتيجة لعمق وشمولية رؤى المؤلف وخبراته العلمية في العيادة اللبنانية. حيث نلاحظ من خلال قراءتنا للكتاب ان المؤلف قد عاين عشرات وربما مئات الحالات العيادية حول الاضطرابات النفسية والجسدية والاجتماعية التي يتصدى لها.

2 - الصدمة النفسية - علم نفس الحروب والكوارث.

وهو ثاني الكتب التي نشرها النابلسي في المجال وهو كان محررا للكتاب ومساهما في تأليفه. ذلك ان معظم محتويات الكتاب كانت ترجمة لعدد خصصته مجلسة «فصول في الطب النفسي الاسكندنافي». لموضوع سيكولوجية الكوارث ويضم الكتاب ترجمة كاملة لهذا العدد مضافا اليها مساهمة النابلسي بتجارب من صميم الحرب اللبنانية.

وهكذا كان كتابا النابلسي المرجعان العربيان الوحيدان في المكتبة العربية عندما بدأت الدراسات حول الاثار النفسية لحرب اليمن ولحرب الخليج الثانية فاذا ما راجعنا اوائل الابحاث المنشورة في تلك الفقرة لوجدنا هيمنة اعمال النابلسي على المراجع العربية لهذه الابحاث.

3 - سلسلة الامراض السيكوسوماتية وضمت الاجزاء التالية:

أ - الانهيار العصبي وب - امراض القلب النفسية وج - الربو الحساسية وعلاجها النفسي. ود - السمنة وعلاجها النفسي. وهـ - الهزال وعلاجه النفسي. و- العقم وعلاجه النفسي. وز- مبادئ السيكوسوماتيك وتصنيفاته. وح - سيكوماتيك الهستيريا والوساوس المرضية.

وفي هذه السلسلة يبين المؤلف علاقة الشدائد في تشجيع ظهور الامراض والاعطال الجسدية او معاودتها. لكن موضوع سيكوسوماتيك الحروب والكوارث لا يلاقي لغاية اليوم الاهتمام الكافي من الباحثين العرب في الميدان. لذلك نجد ان عامل اثر هذه السلسلة لا يرتكز على الدراسات الكارثية بل هو يتركز في حقل السيكوسوماتيك. حيث باتت هذه السلسلة معتمدة كواحدة من المراجع العربية النادرة في المجال.

مع الاشارة الى ان المؤلف قد ضمن كل جزء اختبارا نفسيا او اكثر متعلقة بموضوع الجزء ومن الاختبارات التي تضمنتها السلسلة: اختبار الاكتئاب المقنع، اختبار الهزال واختبار السمنة واختبار جنكينز واختبار جنكينز الوني واختبار تحري العوارض السيكوسوماتية واختبار القلق -  الاكتئاب ….. الخ.

4 - اختبارات الصدمة النفسية.

تراوحت اعمال النابلسي في هذا المجال بين ترجمة الاختبارات والتعديل والوضع وبين تطبيق اختبارات غير مخصصة للصدمة في مجال الصدمة.

فاما عن مقاييس الصدمة فقد ترجم النابلسي ثلاثين اختبارا منها نشرها في كتاب الصدمة النفسية ومتوافرة منفصلة لدى (م.د.ن.) وهو قد وضع مقياسين خاصين بالبينة اللبنانية وهما:

أ - اختبار تحري العوارض السيكوسوماتية الناجمة عن الحرب (م.د.ن.).

ب - اختبار تحري عوارض الشدة عقب الصدمة في لبنان (م.د.ن.).

وننتهي حديثنا بعرض لقائمة اعمال الدكتور النابلسي في مجال الصدمة النفسية وهي :

            أ - الكتب

1 - الامراض النفسية وعلاجها - ودراسة في مجتمع الحرب اللبنانية (176ص).

 - الطبعة الاولى، المنشورات الجامعة 1985.

 - الطبعة الثانية، مركز الدراسات النفسية 1987.

        - الطبعة الثالثة مركز الدراسات النفسية 2000

2 - الصدمة النفسية - علم النفس الحروب والكوارث. (250ص).

 - الطبعة الاولى، دار النهضة العربية 1991.

     3 - سلسلة السيكوسوماتيك (7 اجزاء).

 - الطبعة الاولى نشرت على دفعات.

 - يعاد نشرها في مجلد واحد.

     ب - المشاركة في المؤتمرات

  1 - اختبار رسم الوقت في اوضاع الكارثة: ورقة مقدمة الى المؤتمر العالمي الثامن للطب النفسي - اثينا (1989).

             منشورة في مجلة - الثقافية النفسية المتخصصة - العدد العاشر ابريل (1992).

  2 - عصاب الحرب في لبنان (بالمشاركة): ورقة مقدمة الى مؤتمر نحو علم النفس

       عربي - طرابلس (1992).

  3 - سيكوسوماتيك الحرب اللبنانية: ورقة مقدمة الى المؤتمر العالمي الخامس لعلم

     النفس الفيزيولوجي - بودابست (1990).

4 - متلازمة السيارة المفخخة: ورقة مقدمة الى مؤتمر مدخل الى علم نفس عربي    طرابلسس (1994).

5 - مقابلة مقترحة لفحص المصدومين العرب: ورقة مقدمة الى المؤتمر العالمي لآثار العدوان العراقي على الكويت (1994).

6 - نقد التصنيف الاميركي لاضطرابات الشدة عقب الصدمية: نحو تصنيف عربي للاضطرابات النفسية. ورقة مقدمة الى المؤتمر العربي لعلم النفس، اسبوط (1996).

7 - الوساوس المرضية وانتشارها الوبائي في مجتمعات الحروب والكوارث: ورقة مقدمة الى المؤتمر العالمي الثالث للخدمات الاجتماعية في مجتمع متغير الكويت (2000).

8 - دور اضطراب الشدة عقب الصدمية في آليات التجسيد: (Samatisation). مؤتمر الطب النفسي وطب نفس الاطفال جامعة الملك سعود بالرياض (1996).

9 - خطوات الوقاية النفسية من الصدمات - مؤتمر الطب النفسي دمشق 1997.

  ج - الابحاث والمقالات المشورة

1 - الحرب والمجتمعات النامية، مجلة الثقافة النفسية المتخصصة العدد 1 يناير 1990.

2 - الوقاية النفسية من الذبحة القلبية، مجلة الثقافة النفسية المتخصصة العدد السابع.

3 - مشكلة الشباب المحارب في لبنان، مجلة الثقافة النفسية المتخصصة العدد الثامن.

4 - الامن الاجتماعي والانصهار الوطني، مجلة الثقافة النفسية المتخصصة العدد السابع.

5 - المرأة في مجتمع الحرب اللبنانية: كتاب مشترك نشرته جمعية تنظيم الاسرة.

6 - التشخيص السيكوسوماتي متعدد المؤشرات: مقالة في مجلة دراسات نفسية عدد ابريل 1998.

7 - الآثار النفسية والاجتماعية للحرب اللبنانية - على حلقات جريدة اللواء في 7/1/86 و 21/1/86، 22/1/1986.

8 - ازمة الشباب في مجتمع الحرب اللبنانية - جريدة الاتحاد ابو ظبي 29/1/90.

9 - المرأة اللبنانية بين الحرب والاسرة، جريدة الانوار في 27/11/1990.

10 - دور الحرب في زيادة امراض القلب: مجلة نداء الشماء عدد مارس 1985.

11 - الاضطرابات الهضمية – النفسية: مجلة نداء الشمال عدد مارس 1985.

12 - السيارة المفخخة تضاف لعلم نفس الكوارث - الانوار في 29/9/90.

13 - ضرورة تعديل التصنيف الاميركي للاضطرابات الصدمية: مجلة الدفاع الوطني وزارة الدفاع الوطني عدد او اكتوبر 1994.

14 - الطب النفسي في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان: مجلة الدراسات الامنية قيادة قوى الامن الداخلي 2000.

15 - المبالغة والتزوير العلمي في دراسات الكوارث: مجلة الثقافة النفسية المتخصصة العدد 28 او اكتوبر 1996.

16 - هولوكوست جديد اسمه قانا: دراسة عيادية على مصدومي مجزرة قانا مجلسة الثقافة النفسية العدد 27 يونيو 1996.

17 - ضرورات علاج الحالات الصدمية بعد الانسحاب الاسرائيلي: جريدة الانوار والكفاح العربي ومجلة العهد في 2000/6/21.

18 - الصحة النفسية في الشريط الحدودي بعد الانسحاب: مجلة الثقافة النفسية المتخصصة يوليو 2000 وملخصات عنها في عدة وسائل اعلام لبنانية.

 

 د - الاختبارات والمقاييس

1 - ترجمة وتقنين اختبار تحري العوارض السيكوسوماتية (CHESS) غولفي ادريان - مركز الدراسات النفسية (1992).

2 - ترجمة وتطبيق اختبار وودورث ماتيوس (W-M) مع تعديله - مركز الدراسات النفسية 1985.

3 - اختبار تحري عوارض الشدة عقب الصدمية في لبنان - مركز الدراسات النفسية 1991.

4 - اختبار تجري العوارض السيكوسوماتية عن الحرب - مركز الدراسات النفسية 1991.

5 - تطبيق اختيار رودولف في حالات الصدمة النفسية م.د.ن.

6 - اختبار شبيه التات - منشور في كتاب مع صور الاختبار بعنوان اسقاط الشخصية في اختبار تفهم الموضوع دار النهضة العربية (1989).

7 - ترجمة مقياس "الاكتتاب المقنع" - م.د.ن. (1986) وتقنينه.

8 - ترجمة وتقنين اختبار جنكينز- م.د.ن. (1992).

9 - ترجمة وتقنين اختبار جنكيز - آلوني - م.د.ن. (1992).

10 - الاختبارات النفسية البيولوجية - م.د.ن. (1997).

11 - تعريب اختبار القرية - م.د.ن. (1998).

12 - ترجمة مقاييس الشدة النفسية.

13 - ترجمة قامئة الخبرات الكارثية.

14 - ترجمة القائمة العامة للخبرات الكارثية.

15 - ترجمة مقياس ادراك الشدائد المرافقة للخبرات الكارثية.

16 - ترجمة مقياس الاستجابات السلوكية امام الكارثة.

17 - ترجمة اختبار غولديرغ لتحري الاضطراب عقب الكارثة.

18 - ترجمة استبيان التقويم الذاتي لعواقب الكارثة.

19 - ترجمة اختبار تحري الاكتئاب الرجعي.

20 - ترجمة مقياس تأثير الحدث الكارثي.

21 - ترجمة مقياس الدليل الصدمي.

22 - ترجمة دليل القلق الصدمي.

23 - ترجطمة معيار اضطراب الشدة ما بعد الصدمية.

24 - ترجمة بيان تكساس للفقدان.

25 - ترجمة استثمارة مشاعر الخسارة.

26 - ترجمة استيبان مختصر للكارثة.

27 - ترجمة مقياس اضطراب الشدة عقب الصدمية.

28 - ترجمة استبيان الاثار المتأخرة للحوادث الصدمية.

29 - ترجمة مقابلة مقترحة لحالات الصدمة.

30 - ترجمة قائمة مختصرة من اختبار ايزنيك للشخصية.

31 - ترجمة قائمة مختصرة للأحداث الحياتية.

32 - ترجمة مقياس مختصرة للأحداث الحياتية.

33 - ترجمة قياس التدخلات.

هـ – العلاج النفسي للاسرى وضحايا العدوان، م.د.ن(2001).

  و - رسالة دكتوراة  PhD  الاكاديمية المجرية

- Les Sequelles psychologique psychiatriques est psychosomatiques des ιvιnements traumatisants.

- العقابيل النفسية والسيكاترية والسيكوسوماتية للأحداث الصدمية - رسالة غير  منشورة.

الفصل الثاني
 - التعريف بالدكتور محمد احمد النابلسي

استاذ علم النفس والطب النفسي بالجامعة اللبنانية وجامعة بيروت العربية. ولد محمد احمد النابلسي في طرابلس بلبنان في 15 نوفمبر عام 1954. وتلقى تعليمه الابتدائي والتكميلي والثانوي في مدارس طرابلس. وقد حفظ بعض اجزاء القرآن الكريم من حلقات الجامع الكبير في طرابلس. وبعد حصوله على شهادة التعليم الثانوي عام 1973، سافر الى مدينة بوردو بفرنسا عام 1974 ليبدأ دراسته الجامعية بكلية الطب فيها، وليبدأ فيها ايضا التحليل النفسي التعليمي. ثم تركها الى مدينة كرايوفا برومانيا بعد انقطاع قصير عن الدراسة اثناء الحرب اللبنانية. وقي عام 1984 نال دكتوراة الطب من جامعة كرايوفا، كانت اطروحته بعنوان « اثر صادات بيتا في علاج ارتفاع الضغط الانفعالي - طرق غير دموية للتشخيص » حيث نال عنها درجة ممتاز. ثم تابع دراسته للتخصص بالطب النفسي في معهد الاختصاصات العليا في بودايست بالمجر، حيث نال شهادة التخصص عام 1988، وكانت رسالته بعنوان «رهاب الساح (Agoraphobio) المقاوم للعلاج - نظرة تحليلية سيكوسوماتية » ونال عنها درجة ممتاز. وتابع في الفترة ذاتها التدريب على العلاج التحليلي. ونال شهادة التوصيف كمعالج نفسي من الجامعة نفسها عام 1988 ايضا. اما اطروحته لدكتوراة الفلسفة التي نالها بتقدير مشرف عام 1992 فكانت عن الآثار السيكولوجية والسيكاترية والسيكوسوماتية للأوضاع الصدمية - حيث كانت الحرب اللبنانة نموذج دراسته.

خلال هذه المدة تابع عدة دورات تدريبية وورش عمل، منها دورة في معهد باريس للسيكوسوماتيك، حيث تعرف على البروفيسور بيار مارتي، وترجم له كتابا نشر بعنوان " الحلم والمرض النفسي والنفسي" ومنها ايضا دورة اخرى في معهد الطب الجنسي بباريس، وترجم لمديره جاك وانبرغ كتابا نشر بعنوان " عيادة الاضطرابات الجنسية " كما ترجم في الفترة ذاتها كتاب " حالة دوار بين فريد ومأتى "حيث قدم له بفصل اضافي طلب منه مارتن ترجمته الى الفرنسية ونشره في المجلة الباريسية للتجليل النفسيي عام 1991.

وفي ميدان الاختبارات النفسية قدم النابلسي مساهمات هامة. فهو قد شارك البروفسيرة اليزابيث موسون في وضع قواعد تحليل اختبار رسم الزمن، ثم في وضع قواعد تطبيقيه وتحليليه في مجال السيكوساماتيك. كما اسهم في تحويل اختبار رودولف من ايمائى الى اسقاطى ووضع اسس تحليله واستخراج نتائجه. كما نشر النابلسي شروحات ووسائل تطبيق واستخراج نتائج اختبار بقع الحبر الرورزشاخ، ورسم الشجرة ورسم الشخص، اضافة الى ترجمة العديد من المقاييس خصوصا تلك المتعلقة بالاوضاع الصدمية.

والى جانب الكتب التي قام النابلسي بترجمتها، واشرنا الى بعض منه، فانه قام بتأليف العديد من الكتب العلمية او المتخصصة من اولها واهمها كتاب " الامراض النفسية - دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية " الذي صدرت طبعته الاولى عام 1985 عن منشورات الجامعة، ثم صدرت له طبعات متتالية، ويعتبر مرجعا هاما في دراسات الحرب اللبنانية، ومنها كتاب و " نحو سيكلوجيا عربية " عام 1995، وكتاب " سيكلوجية السياسية العربية " العرب والمستقبليات " والعالمية من الوقت، و" معجم العلاج النفسي الدوائى " عام 1994، وكتاب " الطب النفسي والتربية " عام 1988. هذا علاوة على انه قدم خدمة كبيرة للمتخصصين النفسيين في العالم العربي وللباحثين في الدراسات النفسية باشرافه على اعداد واصدار " الدليل النفسي العربي " عام 1994، والذي يشتمل - ضمن ما يشتمل عليه - معلومات وافية عن المؤلفات والمنشورات العربية في علم النفس والطب النفسي ودور نشرها، وعن علماء النفس والطب النفسي في العالم العربي، وعن الاختبارات النفسية في الوطن العربي، مع وعد بتجديده واستكماله كل حين.

وقد نشر النابلسي كثيرا من البحوث والمقالات في المجالات العربية والاجنبية، كما انه عرض والقى الكثير من البحوث باللغة العربية والابجليزية وبالفرنسية من مؤتمرات علمية عربية ودولية. من ذلك - على سبيل المثال فقط - بحثه " حول مستقبل العلوم النفسية في الوطن العربي " والذي القاه من المؤتمر العربي السابع لعلم النفس والذي عقد بدار الضيافة بجامعة عين شمس بالقاهرة عام 1999، ثم نشر بعد ذلك فيم " المجلة المصرية للدراسات النفسية " بالعدد: 20، سبتمبر 1999، "وسيكلوجيا الاسطورة في الارهاب الصهيوني" الذي القاه في ندوة اتحاد الكتاب العربي باللاذقية في مايو 1998، و " العرب بين الارهاب والبحث العلمي " الذي نشره في مجلة الثقافة النفسية المتخصصة "، عدد 18: ابريل 1994، "والشخصية العربية في عالم متغير " الذي نشره في " مجلة دراسات نفسية " - يوليو 1997، " وعقدة الخجل وشرعية الحياء " الذي نشره بمجلة " الثقافة النفسية المتخصصة " العدد : 16،1993.و

 - Le Mouvement - Thιrapie, Congrιs International des Somatotherapie, Paris, 1998.

 - Cross Cultural Experiences with Rudolph's Test and Essay of Standardization, Cong. Int. Psy, Madrid, 1996.

- Facial Expression: our Universal Private Language, Cong. Int. Psy., Madrid, 1996.

كما انه كتب مقدمات وتقديمات لمؤلفات وترجمات قام بها زملاؤه او تلاميذه في علم النفس او في التحليل النفسي. مثل كتاب " تطبيقات التحليل النفسي " لعلى زيعور، وكتاب " قراءات مختلفة للشخصية " لروز ماري شاهين، و " الصحة النفسية " لسامر رضوان، و " نظريات حديثة في الطب النفسي " لموسون.

والنابلسي - كعضو في اتحاد الكتاب اللبنانيين - يداوم على نشر مقالات ثقافية وعلمية تجمع بين علم النفس والسياسة وقضايا المجتمع العربي في الصحافة اليومية، خصوصا جرائد الانوار والحياة والكفاح العربي، من ذلك - على سبيل المثال فقط - مقالة عن " العوامل النفسية المؤثرة في الانتخابات " - جريدة الانوار من 29/8/1996، و " الاثار النفسية المستقبلية ل " عناقيد الغضب " - الوقاية النفسية من الصدمات " - جريدة الانوار في 8/5/1996، و " صدمة قانا " - جريدة النهار في 7/10/1996.

وللنابلسي مكانة هامة، وسمعة طيبة في الهيئات العلمية العربية، والاجنبية، فهو امين عام الاتحاد العربي لعلم النفس، ويشترك في معظم مؤتمراته السنوية التي تعقد بالقاهرة، كما انه رئيس الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية، ورئيس ثلاثة مؤتمرات نفسية عربية عقدت في لبنان، ومستشار الجمعية العالمية لسيكلوجية المسنين، ومستشار الجمعية العالمية لامراضية التعبير، ونائب رئيس المكتب الاقليمي للاتحاد العالمي للصحة النفسية وعضو شرف محلف في معهد الطب الجنسي في باريس، وعضو اتحاد الكتاب العرب. كما انه حاضر كأستاذ زائر في جامعة بودابست، ودورات اليونسكو لتدريب الاساتذة، وفي جامعة دمشق ومكتب الانماء الاجتماعي - الكويت، حيث شارك في التدريب على العلاج بالحركة وتحليل الاختبارات الاسقاطية، وحاضر في موضوعات متفرقة منها الطب النفسي عبر الثقافي والسيكوسوماتيك التحليلي... كما انه مستشار ومحكم لعدة دوريات علمية منها " مجلة دراسات نفسية " و " مجلة الارشاد النفسي " و " المجلة العربية للطب النفسي "...

هذا، ومن عام 1989 قام النابلسي بانشاء " مركز الدراسات النفسية و الفنسية - الجسدية بطرابلس بلبنان في العام العالي اصدر " مجلة الثقافة النفسية المتخصصة "، حيث صدر عددها الاول في يناير 1990 في بيروت. وتولى النابلسي رئاسة تحريرها منذ صدورها حتى الآن. وهي تصدر بانتظام اربع مرات في العام. ومن الجدير بالذكر ان " مجلة الثقافة النفسية المتخصصة " هي مجلة علم النفس الوحيدة في العالم العربي التي تصدر خارج مصر. كما انه افرد صفحاتها لمقالات وبحوث علماء النفس والطب النفسي من انحاء الوطن العربي المختلفة دون تمييز، بل ولبعض العلماء الاجانب ايضا. كما جمع للمجلة هيئة تحرير ومستشارين من انحاء مختلفة من اقطار العالم العربي والاجانب. وتنشر المجلة مقالات وبحوث علماء النفس والطب النفسي ذوى التوجهات العلمية والاتجاهات المختلفة، طالما وصلت الى المستوى العلمي الذي وضعته المجلة لنفسها. وتعتبر " مجلة الثقافة النفسية المتخصصة " اضافة هامة الى المجلات العلمية ذات الوزن الثقافي والتقدير العلمي الكبير في العالم العربي. وهي احدى اصدارات " مركز الدراسات النفسية والنفسية - الجسدية " ضمن انشطة اخرى من بحوث علمية، واصدار كتب مؤلفة او مترجمة ...

وفي عام 1995 قررت الجمعية اللبنانية للدراسات النفسية " برئاسة النابلسي مع " مركز الدراسات النفسية والنفسية - الجسدية " انشاء جائزة سنوية تكريمية باسم " جائزة مصطفى زيور " تمنح كل عام لواحد من علماء النفس او الطب النفسي العرب (لتمييزه واسهاماته العلمية القيمة). وحتى الآن حصل عليها اربعة علماء عرب. ولولا ان النابلسي رئيس اللجنة الاستشارية للجائزة لكان من اوائل من يستحقونها، لاسهاماته العلمية الجادة والمتميزة، ولجهوده ونشاطه للارتفاع بمستوى التخصص في لبنان والعالم العربي، على نحو ما عرضنا في هذه النبذة المختصرة.

وحتى اليوم يجمع محمد احمد النابلسي بين التدريس الجامعي، وبين التأليف، وبين الاسهام في المؤتمرات العلمية وبين الممارسة العيادية للطب والعلاج النفسي، وبين هذا جميعه وبين الانشغال بالهم القومي العربي والهم الانساني اللذين يداوم التعبير عنهما في مقالاته النفسية - السياسية، سواء اكان هذا في المؤتمرات ام في المجلات الدورية، ام في الصحافة اليومية.                                                            

 

2 - التعريف بالدكتور بشير صالح الرشيدي

عاد الدكتور بشير صالح الرشيدي الى الكويت في العام 1982 حاملا شهادة الدكتوراه في علم النفس من جامعة اوهايو في الولايات المتحدة. وفي العام ذاته أسس الدكتور الرشيدي المركز الأول للإرشاد النفسي في العالم العربي. وكان لعلمه في هذا المركز اكبر الأثر في التعرف على دقائق ونقاط الضعف والقوة في ديناميات علاقة الفرد بالمجتمع. وبذلك كان الأقدر على جلاء وتحديد التغيرات الطارئة على هذه الديناميات بسبب حرب الخليج الثانية. وهو قام بتأسيس مكتب الإنماء الاجتماعي بتكليف من أمير دولة الكويت. وذلك في نوفمبر العام 1992. ويختص هذا الكتاب برصد وتتبع الآثار النفسية والإجماعية والتربوية التي خلفتها الحرب على الكويتيين.

ولقد شغل الدكتور الرشيدي منصب رئيس مجلس أمناء المكتب. الذي بات يضم نخبة من الاختصاصيين ذوي المستوى العالمي في مجال ضغوط ما بعد الصدمة. وتراكمت لديهم خبرات عربية وعالمية عبر النشاطات التي خططها الدكتور الرشيدي وسهر على تنفيذها.

وتضم هذه النشاطات الى المؤتمر السنوي سلسلة من الدورات التدريبية التي يشارك فيها نخبة من الاختصاصيين العرب والأجانب في مجال الصدمة. كما قام المكتب بنشر مجموعة من المراجع منها عشرة مجلدات يضم كلا منها مجموعة الأعمال والبحوث المقدمة في كل سنة خلال مؤتمر المكتب. بالإضافة الى قائمة طوية من المراجع في المجال.

ولقد تفاعل د. الرشيدي تفاعلا إيجابيا وعايش عن قرب معاناة مواطنيه خلال الحرب. ونتيجة لهذه المعايشة العميقة قام د. الرشيدي بعشرات البحوث العلمية الموجهة لدراسة الآثار النفسية والاجتماعية والتربوية للحرب. واتصفت بحوثه بالأكاديمية الرزينة وبالعمق المقترن بنظرة شمولية جامعة. مستندا في ذلك الى تكوينه الاكاديمي الراسخ ومنهجيته الصارمة والى خبرته في دينامية العلاقات في المجتمع الكويتي. وهي الخبرة التي اكتسبها عبر عملة في مركز الإرشاد النفسي الذي كان قد أسسه قبل ثماني سنوات من الحرب. واكتسب من خلاله نظرة تحليلية – كيفية للواقع النفسي الكويتي. وهذا ما جعله صاحب قدرة مميزة على ملاحظة ورصد التغيرات الصدمية لهذا الواقع. لذلك استقبلت دراسات الرشيدي وبحوثه بحرارة من قبل المهتمين ببحوث الصدمة والعاملين في مجالها. وكذلك استقبلتها الدوريات الأكاديمية المتخصصة.

ذلك ان بحوث الرشيدي تتصف بالعمق والتركيز وشمول التناول بالاستناد الى منهجية علمية معاصرة للمستجدات في الميدان. تضاف الى ذلك ثقافته الواسعة وتجاربه الحياتية المعيشية. التي تتصف بغناها وتنوعها.

وهذا ما يجعل دوائر اهتمامه تتسع بما ينعكس على بحوثه في مجال الصدمة بتناول آثارها على صعد مختلفة. بحيث تتداخل في هذه البحوث اختصاصات الانتروبولوجيا والسوسيولوجيا والتربية الى جانب السيكولوجيا.

هذا بالإضافة الى عشرات البحوث الأخرى المتعلقة بالصدمة عداك عن إشرافه على عدد كبير من هذه البحوث. حتى وصل فريق مكتب الإنماء الاجتماعي على يديه الى العالمية. وبات هذا الفريق مطلوبا لتأهيل الاختصاصيين وتدريبهم على التعامل مع المصدومين وارشادهم وعلاجهم.

الا ان كتاب " الحرب وسيكولوجية المجتمع " يبقى المرجع المميز والأثر العلمي الأهم في نتاج الرشيدي. وهو الذي قاد خطواته الى العالمية حيث رئس الرشيدي فرق تدريب كويتية قامت بتأهيل المتخصصين في البوسنة وبنغلادش وغيرهما. مع الإشارة الى ان عالمية الرشيدي لا تنحصر في مجال الصدمة بل تتعداها الى مجالات أخصائية أخرى لعل اهمها واعزها عيه هو مجال " العلاج الواقعي " حيث قام الرشيدي بإدخال هذه النظرية الى المكتبة العربية عبر ترجمات ومؤلفات عديدة. كما قام بإدخالها الى العيادة العربية عبر ممارسته لها وتدريسها وعقد الدورات التدريبية حولها. وهو قد أضاف الكثير لهذه النظرية عندما طوعها كي تلائم البيئة المحلية وعندما عمل على تطبيقها في علاج المصدومين. حيث استفاد الرشيدي من خبرته في المجالين معا. إضافة لاختصاصه في مجالات الإرشاد النفسي الأسري وكذلك في إدارة منظمات ومؤسسات الخدمة النفسية ولعل التحليل الرجعي لاعمال الرشيدي لا يكتمل دون الإحاطة بالجوانب الإنسانية لتجربته والى خبراته المعيشة التي يضيق بنا المجال هنا لذكرها. الامر الذي يدفعنا لاعتماد كتابه " الحرب وسيكولوجيا المجتمع " أداة لهذا التحليل. حيث يضم الكتاب منتخبات من دراسات الرشيدي وبحوثه في مجال الصدمة ولهذه الصدمة وهذه المنتخبات هي :

1 – الحرب النفسية ضد الكويتيين.

2 – مؤثرات الإحباط وأساليب التكيف في المجتمع الكويتي أثناء العدوان.

3 – دوافع السلوك الاجتماعي للكويتيين أثناء العدوان.

4 – سيكولوجيا جماعات العمل الكويتية أثناء العدوان.

5 – خصائص التكامل النفسي والاجتماعي للكويتيين أثناء العدوان.

6 – الخريطة النفسية والاجتماعية للشعب الكويتي أثناء العدوان.

7 – الأعراض الاضطرابية المصاحبة لمشكلة الطلاق في الاسرة الكويتية بعد صدمة الحرب.

8 – اثر العدوان وصدمة الحرب على بعض جوانب الانتماء.

9 – الأمن الوطني الكويتي من منظور تربوي.

وإذا نحن أردنا فهما اعمق لأهمية هذه البحوث، والبحوث التالية لها، فان علينا ان نذكر بأنه من غير الممكن دراسة الاضطرابات النفسية بصورة تجريبية. لذلك فان الوسيلة الوحيدة للحصول على معطيات جديدة حول هذه الاضطرابات هي استغلال التجارب العفوية في معايشة هذه الاضطرابات. ولقد استغل الرشيدي ردود الفعل العفوية لمواطنيه، أثناء العدوان افضل استغلال. وسخرها بشكل علمي ليخلص منها بمعاينات ومشاهدات تتيح له تسجيل معطيات جديدة وغير مسبوقة حولها. وإذا عدنا لكتاب " الحرب وسيكولوجيا المجتمع " نجد ان المؤلف يهدي كتابه الى رفاقه في الأسر. وهذا يعني ان الدكتور الرشيدي تعرض شخصيا لتجربة الأسر وان كان لم ينشر بحوثا حولها على حد علمنا. لكن هذه التجربة لا بد ان تضيف الى دراسات صاحبها أبعادا جديدة. حيث تخيلت هذه الأبعاد عن طريق مقارنتها بتجربة المحلل الأميركي برونو دي بيلتهام الذي كتب عن تجربته في الأسر بصورة أدبية. وتحدث في حينه عن مواجهة الأسر بطريقة خاصة به اسماها " طريقة توقع الأسوأ " وعندما لا يحدث الأسوأ فانك تجد بعض الفرح والأمل في قلب التجار الخزينة.

والواقع انك لا تستطيع الفصل بين تجربة الرشيدي في مجال الصدمة وبين تجاره في العلاج والإرشاد النفسي وادارة الخدمات النفسية. فهذه التجارب متمازجة ومتقاطعة. وحسبنا ان نذكر منها قيام الرشيدي بإدخال العلاج الواقعي الى المكتبة والعيادة العربية واستخدامه في عمله العيادي. ليصبح الرشيدي الرائد العربي لهذه المدرسة.

واخيرا نذكر تطويره لبرنامج، يستند الى نظرية الاختيار، للتعامل مع اللذات. وهو ما عرضه في أحداث كتبه بعنوان " التعامل مع الذات " في النهاية فانه تجربة الرشيدي في المجال هي تجربة رائدة وغنية. كما انها مستوعبة لكافة التطورات الحديثة. وهي تؤسس بحق لاستراتيجية عربية للتعامل مع الصدمات.

 

 

الفصل الثالث

عرض لاعمال الدكتور النابلسي في مجال الصدمة

 

1 - الأمراض النفسية وعلاجها. دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في العام 1985، وكان اول الكتب التي نشرها الدكتور النابلسي واول بحث يتناول الآثار النفسية والجسدية والسيكوسوماتية للحرب اللبنانية، وهو اول المراجع العربية في هذا المجال، وفي ما يلي عرض موجز لهذا الكتاب.

لقد تمكن هذا الكتاب من المحافظة على راهنيته بالرغم من تناوله لموضوع آني هو اثر الحرب على الإنسان والمجتمع اللبنانيين. مثل هذه الراهنية تجد وقعها بصورة اعمق لدى القراء الذين اطلعوا على الكتاب لدى صدوره في العام 1985 تحت عنوان الأمراض النفسية وعلاجها – دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية للدكتور محمد احمد النابلسي.

يقع هذا الكتاب في 160 صفحة من القطع الكبير وقد صدرت منه ثلاث الأولى عام 1985 عن المنشورات الجامعية الثانية عام 1987 والثالثة عام 2000 عن مركز الدراسات النفسية ونظرا لجمعه بين تخصصات مختلفة فقد اضطر المؤلف للتبسط في اسلوبه. خصوصا وان طبيعة موضوع الكتاب تفرض هذا التداخل الذي لم يكن واضحا لدى من قرأوه في التسعينات يدركون تماما مقدار هذا التداخل من خلال الرؤية المستقبلية للكتاب. هذه الرؤية المستقبلية للكاتب. هذه الرؤية التي تكونت من تكامل مجموعة من النظريات في ذهن المؤلف. بدءا بعلم النفس المرضي وانذارية الأعراض وعلم النفس الاجتماعي وعلم نفس الحروب والكوارث والمظاهر النفسية – الاجتماعية المصاحبة للشدائد إضافة الى الانتروبولوجيا الثقافية وبنية العقل الجمعي اللبناني. هذا الدمج التكاملي يبرر الاهتمام الأكاديمي الذي حظي به الكتاب منذ صدوره. حيث تم تدريسه في الجامعة اللبنانية (معهد العلوم الاجتماعي وكلية علم النفس) واتخذ مرجعا في العديد من الاطروحات المعدة حول الحرب اللبنانية والدراسات التي تناولت هذه الحقبة. كما استخدم نموذجا لدراسات الصراعات الداخلية والحروب في اليمن والكويت حيث مثل الكتاب مرجعا رئيسيا للعديد من الأبحاث.

تتوزع محتويات الكتاب على ابواب رئيسية يتفرغ كل منها الى فصول.

أ – الباب الأول الأمراض النفسية عواملها وأنواعها.

-      الفصل الأول: عوامل الأزمة النفسية وهي : الضالة (الشعور بانعدام القدرة) والخوف من الموت والركود والخسائر المادية والمعنوية والعدائية والجنس.

-     وعلى الرغم من بساطة العرض وسهولته فان المؤلف يطرح في هذا الفصل تصنيفا جديدا لشدائد الحرب معتمدا على العيادة في تحديد عناصر هذا التصنيف ومعطيا الأمثلة من الحالات العيادية المعروضة عليه.

-      الفصل الثاني : الأمراض النفسية وفيه نلاحظ استعراض المؤلف للحالات النفسية البحتة واستبعاده للاضطرابات العقلية. انسجاما مع مبادئ الطب النفسي التي تستعبد قدره الشدة على أحداث الاضطراب العقلي : لذلك اجل المؤلف مناقشة الاضطراب العقلي العابر الى فصل آخر مكتفيا بعرض :  1) الانهيار و 2) العصاب و 3) الكابة و 4) اضطرابات الذاكرة (كاضطراب إدراكي معرفي مصاحب لوضعيات الخوف والتهديد) و 5) الرهاب والمخاوف و6) الضعف الجنسي.

ب – الباب الثاني : الأمراض العضوية – النفسية (السيكوسوماتية) فمن المعروف ان التعرض للشدة النفسية يفجر الأمراض السيكوسوماتية. ولما كانت شدائد الحرب من أقصى أنواع الشدة فقد كان من الضروري متابعة الآثار والانعكاسات الجسدية لهذه الحرب.

في هذا الباب يعرض الدكتور النابلسي لـ 1) أمراض القلب والشرايين 2) الأمراض الهضمية – النفسية و3) الأمراض الجلدية و4) أمراض الغدد الصماء و5) الصداع و 6) الأمراض التنفسية والمؤلف يعرض لمجمل هذه الأمراض من وجهة النظر السيكوسوماتية ويناقش دور الحرب في زيادة انتشارها.

ج – الباب الثالث : الآفات الاجتماعية. وفيه مناقشة للمشاكل والأزمات الاجتماعية. الناشئة عن الحرب والتي يفترض في مجتمع ما بعد الحرب علاجها.

د – الباب الرابع : العلاج النفسي وفيه عرض لاسلوب العلاج بالتدريب الذاتي على الاسترخاء وعرض لبعض الاختبارات وأساليب العاج النفسي الأخرى.

 

الرؤى المستقبلية

عندما قرأ اللبنانيون الطبعة الأولى من هذا الكتاب ولم يجدوا فيه الا عرضا علميا – واقعيا لمعاناتهم وربما ساعدهم هذا العرض على فهم معاناتهم والتعرف الى بعض وجوهها بصورة افضل. لكن من يعيد قراءته اليوم سيدرك ان الكتاب لم يكن بمثل هذه البساطة لانه احتوى على رؤى مستقبلية كان بإمكانها ان تلعب أدوارا وقائية هامة على اكثر من صعيد.

في ما يلي سنكتفي بسرد بعض الرؤى المستقبلية الواردة بنصها الحرفي مهملين تلك التي تركها المؤلف لاستنتاجات القارئ ونبدأ بـ أ – مشكلة الشباب المحارب ستخلف لنا شباباً يعاني من الأزمات التالية : 1) ضعف الثقة بقدراته 2) متردد يجد صعوبة في اتخاذ القرار 3) يتقبل الإيحاءات وخاصة المتطرفة منها و4) غير قادر على العمل المنتظم و5) يعاني فراغا حياتيا كانت الحياة العسكرية تملأه و6) يشعر انه أضاع سنوات عمره هباء و7) يعاني من أوبئة نفسية – اجتماعية خطيرة تصل الى حدود الإجرام و 8) خائف من المجتمع ومن القانون بشكل خاص و9) متطرف وصعب ويفتقد للمرونة و 10) يعاني من مشاعر الذنب و11) يعاني من مجموعة وساوس قهرية منها وسواس قهري يحمل السلاح (ص: 128).

ب – الخوف من القانون :

يقول المؤلف …….. سيحس اللبناني بان عودة القانون هي ضد مصلحته وهي تهدد مصالحه الاستهلاكية ومستوى الحياة الذي يعيشه …….. وكأنه يود استمرار اجواء الفوضى التي لازمت الحرب ولكن دون استمرار الحرب نفسها …… على الدولة ان لا تحاول ان تستعمل القوة او الامر الواقع في إجبار اللبناني على قبول عودة القانون لكن عليها ان تقوم بإقناعه بان خروجه عن القانون لا يفيده بشيء وان تظهر له بان هذا القانون لا يضره وانما هو يؤمن له مصالحه (ص: 136).

ج – إدمان المخدرات

يقول المؤلف … ان مسؤولية القضاء على الإدمان هي مسؤولية وطنية في الدفاع عن الإنسان اللبناني وعن صحته الجسدية والنفسية والعقلية وهذه مسؤوليات تتحملها وزارة الصحة (ص: 144).

د – تعدد المهن

يقول المؤلف … ان ظاهرة تعدد المهن هذه هي ناقوس خطر في المجتمع اللبناني وان بدت للوهلة الأولى غير ذات أهمية. إذ ان الإنسان المرهق لا يمكنه ان يعطي مردودا جيدا … وعلاج إدمان العمل هو صعب وكثير الشبه بالإدمان على الكحول. ومدمن العمل يحتاج الى تفهم المجتمع والمحيط وكذلك فهو بحاجة الى المكافآت المهنية الخاصة (145 – 146) هـ هـ – الخلافات الزوجية (الطلاق)

يقول المؤلف … ان الخوف من الموت (المصاحب لأجواء الحرب) لم يؤثر فقط على زيجات قائمة ولكنه أدى أيضا الى عقد زيجات هشة وقابلة للبطلان إذ ان تنامي الحاجات الجنسية بسبب الخوف من الموت دفع بالكثيرين نحو الزواج الجنسي ونحو الزواج المبكر وهما نوعان يكثر فيهما الطلاق (ص: 148).

و – حمل السلاح

يقول المؤلف : لقد تحول حمل السلاح الى وسواس قهري لدى بعض اللبنانيين وهو قد يدفع بالكثيرين نحو الإجرام وتأليف العصابات (ص: 151)

الدعوات الوقائية

يحتوي هذا الكتاب على تحذيرات وإحصاءات تتطلب مجموعة معقدة من الخطوات الوقائية وتتنبأ بما سيؤول إليه الحال إذا ما أهملت الوقاية فالدراسة المنشورة في الباب الأول نشير الى النسب التالية (ص: 32)

أ – القلق ويعاني منه 68%

ب – المخاوف ويعاني منها 90%

ج – الإرهاق والضغوط النفسية ويعاني منها 80%

د – الأرق ويعاني منه 35%

هـ – حالات الانهيار المقنع ويعاني منها 58%

و – اضطرابات جسدية – وظيفية ويعاني منها 80%

اما على صعيد الأمراض السيكوسوماتية فان الدكتور النابلسي يشير الى زيادتها وانتشارها محددا زيادة الإصابة بالذبحة القلبية بنسبة 4 الى 1 بالمقارنة مع فترة ما قبل الحرب مع ملاحظة انخفاض سن الإصابة وقس عليه بالنسبة للقرحة. اما بالنسبة للسل فان الكتاب يعتبره من الأمراض السيكوسوماتية وهو قد استبق ظهور موجة السل في لبنان العام 1987 بإشاراته له في العالم 1985.هذا ويعارض المؤلف رد اتساع نسب الإصابة بالأمراض السيكوسوماتية الى مبدأ الصدقة مذكرا بتكرار تفشي هذه الأمراض إبان الحربين العالميتين وحروب فيتنام وكمبوديا وغيرها.

هذا ويشير المؤلف الى ان اللبناني بعد الحرب سوف يتسم بسلوك يطغى عليه الخوف والسلبية والأنانية المتطرفة إضافة الى مجموعة الآفات الاجتماعية التي باتت سلوكا مألوفا أبان الحرب.

راهنية الكتاب

في كتابه الصدمة النفسية – علم نفس الحروب والكوارث. يقول الدكتور النابلسي ان الزمن لا يشفي الصدمة بل هو يحولها الى مزمنة. وهذا ما نلاحظه على نطاق واسع في العيادة اللبنانية اليوم. حيث تتصدر الوساوس المرضية الواجهة العيادية وهي حيث ليست سوى تعقيدات الصدمة النفسية المزمنة في رأي المؤلف. ومتابعة الكتاب تتيح لمن يقرأه اليوم التعرف الى دينامية تطور مظاهر الصدمة النفسية وتعقيداتها وصولا الى تبديها على شكل وساوس مرضية. يعرض الكتاب لمظاهر تناذر قلب المحارب. وهي من المظاهر الرئيسية لعصاب الوساوس المرضية (ص: 84-87): ضيق في التنفس وتسارع دقات القلب ومشاعر التعب ومضايقات في الصدر وصداع وتعرق في اليدين وارتجاف الأطراف والشعور بالدوار. الخ كما يوضح لنا الباب الثاني من الكتاب الأنماط السلوكية التي تشكل تربة خصبة لنشوء واندلاع الأمراض الجسدية. إذ يعرض بالتفصيل للأنماط السلوكية المتشجعة للإصابة بأمراض القلب والقرحة والربو والسرطان والسل والسكري وغيرها من الاضطرابات والأمراض السيكوسوماتية.

وتنتقل الى الناحية الاجتماعية فتسجل النقاط التالية :

-     (ص: 13): فهلا قدمنا للإنسان اللبناني بعض المظاهر والعلائم التي توحي له بقدرته على ان يكون فاعلا عن طريق إتاحة الفرصة لهذا الإنسان ليتمكن من مراقبة الأحداث وتحسين فرصة للقيام بدوره في توجيه هذه الأحداث وتجاربنا الماضية من الميثاق الوطني الى حكومات الوحدة الوطنية المتعاقبة تعطينا الدلائل الكثيرة على أهمية شعور اللبناني بقدرته على الفعل التي استطاعت دوما ان تضع حدا للتطرف وتحل الاعتدال مكانه

-     (ص: 136) …….. حتى إذا ما أحست الدولة اللبنانية بقدرتها على حماية نفسها قامت بتطبيق القانون من مبدأ " عفى الله عما مضى " انطلاقا من اعتبار المخالف لحينه بمثابة مريض غير مسؤول عن أعماله.

-      (ص: 131) ……. يجب مساعدة الشباب المحارب على التخلص من وهم انه منقذ للدين والوطن وعلى التخلص من وساوسه القهرية (منها حمل السلاح) وتتخلص

-     دعم المساعدة في قدرة الدولة على فرض القانون واجبار هؤلاء الأشخاص والأحزاب على احترام القانون ومصادرة الأسلحة.

-      (ص: 137) ….. وبالرغم من الاجتماعات العديدة التي يعقدها رموز السادية والتي يجب ان تكون بمثابة علاج جماعي لهم. وبالرغم من وجود المعالج النفسي المتمثل بمشاركة رموز وطنية لم تشارك في إراقة الدماء. فان هذه الجلسات العلاجية لم تؤت ثمارها لغاية الآن. وفي انتظار ذلك على الدولة ان تتجنب إرهاق الشعب اللبناني عن طريق تهديده وتخويفه من القانون فهي بذلك تمارس نوعا خطيرا من السادية على هذا الشعب الذي أنهكته الحرب.

من الناحية الأكاديمية

يقدم هذا الكتاب نموذجا لدراسة مجتمع الحرب. وهو يرسي مبادئ عامة لهذه الدراسة تتمثل بالنقاط التالية :

أ – إرساء تصنيف لعوامل الشدة المرافقة للحروب وتعريفها على النحو التالي :

1 – الشعور بالضالة (انعدام القدرة على الفعل).

2 – الخوف من الموت.

3 – الخسائر المادية والمعنوية (مشاعر الفقدان).

4 – حالة الركود (اضطراب التموقع في الزمن).

5 – العدائية

6 – الاضطرابات الجنسية (مدخل الى الأعصبة السيكوسوماتية)

ب – اقتراح اختبارات صالحة للتطبيق في هذه الدراسة وهي:

1 – اختبار وودوث – ماتويس (المبول النفسية المرضية) معربا

2 – اختبار الانهيار المقنع

3 – اختيار هاينز

4 – تجري الأنماط السلوكية المشجعة للإصابة بالأمراض الجسدية

ج – إرساء تصنيف لاثار الحرب ويتمثل بـ :

1 – الآثار النفسية (مظاهرات عصبية متنوعة وصدمة نفسية إضافة الى وساوس مرضية واتباع أنماط سلوكية غير آمنة).

2 – الآثار الجسدية (الإصابات السيكوسوماتية على أنواعها).

3 – الآثار الاجتماعية (تهديد الانتماء والخروج عن القانون والانحراف والأنانية المؤدية الى شلل اجتماعي يهدد استمرارية جهاز القيم.

ان المخطط الأكاديمي الذي يطرحه المؤلف من خلال هذا الكتاب قد اثبت فعاليته في اكثر من مجتمع عربي فبساطة الأسلوب وسهولة الشرح لم تؤثر على منهجيته الأكاديمية التي اعتمدها عدد من الباحثين العرب في المجال وصولا الى اعتماده كمرجع اصيل في دراسة واقع مجتمع عربي في ظل الحرب

 

2 - الصدمة النفسية: علم النفس الحرب والكوارث

هذا الكاتب هو أول عمل من حيث الموضوع يعالج اثر الحروب والكوارث على الإنسان العربي هذا كان واضحا في المقدمة التي عرضها د0 محمد النابلسي حيث أشار الكاتب إلى حاجة المكتبة العربية لكتاب يناقش الآثار المترتبة عن الحروب العديدة التي مر بها العالم العربي. فالحروب والكوارث لها تأثيرات سلبية على الجوانب الجنسية والنفسية والاجتماعية. والباحث المتفحص في الوطن العربي يجد ان الوطن العربي قد طاف بكوارث وحروب طويلة ولكن لم يساهم أي من الباحثين بإجراء أي دراسة حول تأثير الحروب على الإنسان العربي وهنا يتساءل المرء: هل عدم الاهتمام في هذا الميدان يقع على الباحث العربي إما أن الباحث لم تتح له الفرصة المناسبة لدراسة هذا الميدان لوجود العوائق السياسية والاقتصادية التي جعلت هذا الميدان محرماً على الباحثين.

نترك الإجابة على هذين السؤالين للقارئ، بينما الآن نتجه إلى عرض محتوى الكتاب الذي جاء في 311 صفحة مقسمة على ستة فصول.

ان المقدمة قد قسمت الى ثلاث فقرات رئيسية...

اولا" : التأثير الجسدي: ان الحروب تؤثر في عدد كبير من الأفراد بفقدانهم أجزاء من جسدهم بسبب تعرضهم للانفجارات ووسائل التعذيب وأيضا عدم قدرة الفرد على التكيف مع الأحداث فيصاب بأمراض السيكوسوماتية مثل القرحة المعدية التي ازدادت نسبتها خلال الحرب العالمية الثانية عندما ازدادت الغازات على لندن لتصل إلى 400%.

ثانيا" : التأثير النفسي: هنا يتناول تأثير فكرة الموت ففي وقت السلم بقول الفرد لنفسه اني سأموت حقا" ولكن ليس الآن ولكن أثناء الكوارث والحروب فان الفكرة ستتجول إلى اني سأموت حتما" والآن وهذا الشعور الدائم يترك آثارا سلبية عديدة على شخصية الإنسان فتنتابه حالة من الخوف والأرق.

ثالثا": التأثير الاجتماعي : عندما يتأثر الفرد من الناحية النفسية والجسدية هذا يؤدي إلى التأثير على الجوانب الاجتماعية وهنا يحدث للفرد ما يطلق عليه بالشلل الاجتماعي وعندما تتأثر القيم والعادات التي يؤمن بها الفرد والمجتمع.

 

وهنا نرى أهمية إعداد هذا الكتاب الذي يتناول الصدمة النفسية الناتجة عن الحرب والكوارث وهذا ما تحتاجه المكتبة العربية ليس الآن ولكن منذ زمن بعيد.

إما الفصل الأول: فيدرس الصدمة النفسية وتصور مفهوم العصاب الصدمي من تأليف د. محمد النابلسي. يرتكز البحث في هذا الفصل حول مفهوم عصاب الصدمة وهنا نجد إن أول من تحدث عنها هيرودوتس عندما وصف حالة المحارب الاثيني الذي أصيب بالعمى، ثم يتناول الكاتب أول من قام بالتجارب عن تأثير حالة التهديد او الخطر على الكائنات الحية. فالعالم ابن سينا عندما قام بربط حمل وذئب في غرفة واحدة دون ان يستطيع أحدهما مطاولة الآخر فكانت النتيجة هزول الحمل وضموره ومن ثم موته مع العلم ان ابن سينا كان يقدم نفس كمية الطعام التي يتناولها الحمل في ظروفه الطبيعية.

وتلت هذه التجربة دراسات وتجارب عديدة في المجتمع الغربي وهذه الدراسات أظهرت تصنيفات عديدة لتشخيص حالات العصاب الصدمي - منها ما قدمته الجمعية الأمريكية للطب النفسي  DSM-III-R حيث وضعه تحت قسمي :

هذا الاضطراب النفسي القلق يمكن ان تشخص الفرد الذي يصاب بـ Post Traumatic Stress Discord (P.T.S.D)   إذا ظهرت عنده الاضطرابات التالية :

1 - التأكد من وجود الحديث الصدمي. على ان الصدمة ليست من الأحداث التي تقع في حياة الإنسان بشكل طبيعي.

2 - تكرار معيشة الحدث الصدمي.

3 - استمرار تجنب الجماعة.

4 - اضطرابات في النوم.

تطرق الكاتب لمجموعة أخرى لمعنى عصاب الصدمة ولكن سينتهي في نهاية الفصل بالإشارة الى التصنيف المستخدم الآن في العالم العربي وهو ما قدمته الجمعية الأمريكية للطب النفسي، وخاصة في غياب المدرسة العربية للطب النفسي.

يعالج الفصل الثاني دون الطبيب النفسي لمواجهة حالات الكوارث والحروب من تأليف د. محمد احمد النابلسي. هنا سيتطرق الباحث إلى دور الطبيب النفسي وكيف يتأثر هذا الدور في خدمة الأغراض السياسية ويضرب أمثلة عن ما حدث من قبل بعض الأطباء العرب لتسجيل آثار الحرب والكوارث التي آثرت على الإنسان العربي.

في الفصل الثالث: محاولة مناقشة مناهج البحث العلمي في حالات الكوارث والحروب. من تأليف رافييل - توم لوندين - لارس وينراث.

وهي دراسة قام بترجمتها محمد البدوي كما قام بمراجعتها د. محمد احمد النابلسي. هذا الفصل يتعرض لاهم النقاط التي يجب ان يأخذها بعين الاعتبار كل باحث يدرس تأثير الحروب والكوارث على الإنسان فمن الاعتبارات العامة التي يجب إن  يراعيها الباحث على سبيل المثال:

اولا": يجب توافر بعض المعطيات او التقديرات حول خلفية الموقف في الفترة السابقة للكارثة.

ثانيا": صعوبة التعرف على المجموعة البشرية المتأثرة بالكارثة الخاضعة للدراسة.

ثالثا": ماذا نقيس ومتى ولماذا وكيف - ثم يتطرق الفصل إلى أهم الأسئلة التي يجب ان يجيب عليها الباحث : منها على سبيل المثال :

1 - ما هي أبعاد الكارثة التي أصيبت بها تلك المجموعة السكانية المتأثرة بالكارثة.

2 - السلوك خلال الكارثة.

3 - ما هي ردود الفعل المباشرة للكارثة ولأبعادها المختلفة وبعد ان نحدد الاعتبارات العامة والأسئلة التي تحتوي على المعلومات التي نود ان تحصل عليها لكي نجيب على التساؤلات، وبعد هذه العملية نحدد الأساليب الإحصائية التي يستعين بها الباحث لكي يتحقق من القرو    ض التي وضعها الباحث.

أما الفصل الرابع فقد قام د. محمد النابلسي بترجمة مقابلة حول الاختبارات النفسية المستخدمة في أوضاع الكارثة من مجلة Actapsychiarica Scandinavica  هذا الفصل قسم إلى 17 ملحقا" يحتوي كل منها على أحد الاختبارات التي تقيس تأثير الكوارث والحروب على الإنسان.

ونورد نماذج من هذه الملاحق.

 

ملحق أ لقياس الشدة النفسية.

ملحق ب قائمة الخبرات الكارثية.

ملحق ج القائمة العامة للخبرات الكارثة، وغيرها من الاختبارات.

والباحث هنا قام بترجمة كل من الاختبارات ولكن تحتاج إلى دراسات عديدة حتى يتمكن الباحث من استخدامها فيجب تحديد الثبات والصدق لكل من الاختبارات خاصة إذا عرفنا ان هذه الاختبارات قد وضعت في الأصل لقياس مجتمعات غير عربية إسلامية.

أما موضوع الفصل الخامس، الأعراض الناجمة عن الكوارث فكتبه موسون P وسيلي B وقام بمراجعته د. محمد النابلسي. وهنا دارت الأفكار حول الأمراض النفسية والفسيولوجية التي تظهر بعد تعرض الإنسان بعد تكرار الكارثة على الفرد ملاحظا" بعض الدراسات ان هناك أنواعا" معينة من الأمراض تظهر عند بعض الأشجار تبعا" لاختلاف الشعوب وعاداتها وتقاليدها وكيف يستطيع الفرد أو المجتمع إدراك الوقائع فأثناء الحرب العالمية الأولى أصيب الجنود الألمان والحلفاء بالقرحة أما الجنود الأمريكيون فقد أصيبوا أثناء حرب فيتنام بمرض انسداد الشرايين وارتفاع ضغط الدم.

ثم نعرض الكاتب لنظرية Selye وسماها تناذر والتكيف، وتسمى أيضا" بنظرية التكيف العام حيث لاحظ Selye بان الإنسان تظهر عليه تغيرات فسيولوجية عديدة نتيجة لتعرضه لضغوط نفسية، وتمر النظرية في ثلاث مراحل:

1 - مرحلة الإنذار.

2 - مرحلة المقاومة.

3 - مرحلة الإنهاك.

وانتهى الفصل بعرض مجموعة من الأمراض الجسدية والنفسية التي ظهرت أثناء الحرب في لبنان فمن ضمن الأمراض الجسدية - الحرب - ارتفاع ضغط الدم والقرحة. أما الأمراض النفسية مثل حالات القلق والانهيار والهستريا.

أما الفصل السادس والأخير، فقد استخدم د. محمد النابلسي مثالا" وهو نموذج السيارة المفخخة وتأثيره على اللبنانيين.

يقسم الباحث ردود الفعل الأولية أمام الانفجار إلى أربع نقاط:

أ - ردود الفعل الأولية.

ب - ردود الفعل قريبة الأمد.

ج - ردود الفعل متوسطة الأمد.

د - ردود الفعل طويلة الأمد.

المرحلة الأولى إشعار الفرد بالتحذير الحسي عندما يسمع الانفجار ثم ينتقل إلى عدم استيعاب ما يحدث حوله ويتبع ذلك مرحلة من الهستريا من الصراخ والبكاء وتنتابها مظاهر نفسية وجسدية.

بعد المرحلة الأولى ردود الفعل قريبة الأمد وهي صعوبات التفكير وحالة من القلق واضطرابات في النمو.

أما مرحلة ردود الفعل متوسطة الأمد ففيها يبدأ الإنسان بالشعور بعدم الاطمئنان وأحيانا" بالذنب لعدم قدرته على تقديم المساعدة، وقد تنتاب الفرد حالة من الغضب ناتجة عن مشاعر العجز أما الحدث وهذا يؤدي إلى حالة الانتكاسات النفسية والجسدية تظهر على شكل بعض الأعراض الجسمية والنفسية. أما ردود الفعل طويلة الأمد فهي تعتمد على الحقائق والقدرات التي يمتلكها الفرد لكي يتكيف مع الأحداث.

وهذا ما سوف يؤدي إلى ردود الفعل المرضية مثل ظهور الأمراض السيكوسوماتية مثل القرحة وانسداد الشرايين وأيضا ظهور الأمراض النفسية مثل الحالات العصبية وقد تنتقل إلى الحالة الذهانية، وهنا يدخل دور الطبيب النفسي لتقديم المساعدة المناسبة لكل فرد في المجتمع.

هذا الكتاب محاولة مختارة لعرض أحد الموضوعات التي تؤثر على حياة المواطنين التي تمر في كل مكان - نتمنى ان يكون فقط بداية ومقدمة لنتاج المزيد من الكتب التي تتناول هذه الآثار لإثراء المكتبة العربية بالكتب التي يستطيع ان يستفيد منها الباحث والقراء على حد سواء.

ولكن هناك نقطة مهمة نرجو ان تؤخذ بعين الاعتبار في الأعمال القادمة، وهي الاستعانة بمجموعة من الباحثين العرب وعدم الاعتماد على القيام بترجمة بعض الأعمال العربية - وخاصة في ميدان علم النفسي وليس فقط الطب النفسي.

لا شك إن هذا الكتاب ظهر بعد مجهودات كبيرة ونأمل ان يوفق بالقيام بأعمال اخرى مشابهة وايضا ندعو المختصين في المجال للإسهام في إثراء المكتبة العربية.

3 - سلسلة الأمراض السيكوسوماتية

تبقى الدهشة عنصرا عقليا ملخصا للمفارقات وعلى القدرة العقلية لإدراك هذه المفارقات فالقدرة على الاندهاش هي قدرة عقلانية متطورة وهي أرقى من ملكة التفكير. لذلك اهتم الفلاسفة بالدهشة وبآلياتها وسيروراتها. وكان من الطبيعي ان يهتم علماء النفس بدورهم بهذا الموضوع. فقام سيغموند فرويد بدراسة علم نفس النكتة فحلل المفارقات التي تجعل من النكتة نكتة. كذلك اهتم دارسو اختبار الرورشاخ بدهشة مفحوصيهم أمام اللون الأحمر وقس عيه في دراسات واختبارات عديدة. أخرى.

مناسبة حديثي عن الدهشة عبارة وردت في أحد أجزاء سلسلة الأمراض السيكوسوماتية (الجزء الخاص بـ العقم النفسي وعلاجه). والعبارة هي: « ان الظواهر المتكررة لا تسمح لنا بان نردها إلى مبدأ المصادفة ».

لهذه الملاحظة قيمتها الفكرية والفلسفية في ميدان العلوم النفسية. إذا لا يمكننا دراسة الاضطرابات النفسية بصورة تجريبية لذا فان الوسيلة الوحيدة للحصول على المعطيات، حول هذه الاضطرابات، هي القدرة على الاندهاش التي تتضمن القدرة على ملاحظة ومعاينة الظواهر النفسية ا لتي تتبدى في العيادة على شكل تجارب عقوبة في معايشة المريض لاضطرابه. على هذا الأساس قامت المدارس النفسية الظواهرية على أساس رصد هذه التجارب العفوية (الظواهر) ومهاينتها وتسجيل مدى تكراريتها. حتى اعتمد هذا التكرار أساسا للتشخيص لدى بعض المدارس (مثل دليل تشخيص الأمراض العقلية للجمعية الأميركية للطب النفسي).

مؤلف السلسلة هو الدكتور محمد احمد النابلسي الذي قدم ويقدم تضحيات كبيرة يوظفها لمصلحة الاختصاص في الوطن العربي ولقد أتاحت لي لقاءاتنا المتكررة وزمالتنا في الأمانة العامة للاتحاد العربي لعلم النفس ان اشهد مدى جديته والتزامه الواضحين والهادفين لتحقيق أهداف نبيلة لخدمة الاختصاص في عالمنا العربي.

أما السلسلة، موضوع حديثنا، فهي قد قسمت بصورة اصطناعية إلى أجزاء وهذا الشكل المصطنع هو أول اعتراضاتي عليها. ذلك ان نشرها في مجلد واحد يتحول في الجزء إلى فصل كان أولى واكثر اقتناعا عن شكل الكتيبات الذي يخلف انطباع التطرق المتسرع للموضوع. لذا أتتمنى على الصديق المؤلف أن يعتمد إخراجها بشكل مجلد في طبعتها القادمة. وبهذا فإنني سأناقش محتوياتها على إنها فصول وابدأ بـ :

* الفصل الأول : مبادئ السيكوسوماتيك وتصنيفاته:

البسيكوسوماتيك او الطب النفسي - الجسدي او النفسدي او النفسجسمي هو ميدان لا يزال شبه مجهول في المكتبة العربية بل وفي غالبية العيادات العربية. وذلك على الرغم من المساهمة العربية الفاعلة في هذا المجال فالبروفسور مصطفى زيور كان في اوائل الباحثين في هذا

المجال وله فيه دراسات عميقة تعتبر بحق مراجع بالغة الاهمية. فقد درس زيور حالات القرحة الاثني عشرية وعلاقة الحساسية بالذهان وحالات المياه الزرقاء لدى الشباب كما قدم فصولا في البسيكوسوماتيك .... الخ. كما نذكر في هذا المجال البروفسو سامي علي ونظرياته التي طورت المفهوم الفرويدي للإسقاط ... الخ.

وهكذا جاءت ترجمة هذا الكتاب في سلسلة.

الأمراض النفسية - الجسدية، الصادرة عن الرسالة - الإيمان، ضرورية لملء هذه الثغرة في مكتبتنا العربية. ويتألف الكتاب من ثلاثة فصول هي:

1 - مدخل إلى البسيكوسوماتيك:

في هذا الفصل يعرض د. محمد احمد النابلسي لموضوع البسيكوسوماتيك مناقشة إشكالياته ومدارسه (بافلوف، كانون، سيلي، بريبرام.... الخ) ليركز على المدرسة التحليلية التي ساهم البروفسور زيور في إرساء دعائمها والتي يتزعمها البروفسور زيور في إرساء دعائمها والتي يتزعمها البروفسور P.Marty  (موضوع مقابلة العدد السابق للمجلة). ثم ينتقل المؤلف إلى عرض أساليب الممارسات البسيكوسوماتية فيعرض للتنويم المغناطيسي وللمدارس الاسترخائية وللمدارس التجريبية وذلك قبل عرضه لنظريات كل من رايش (راجع المدارس

النفسية الحديثة في العدد السابق) وساس وتربا ودينبار والكسندر وغيرها.

بعد هذا العرض البانورامي الشامل لكافة التيارات البسيكوسوماتية يعود المؤلف إلى التركيز على مدرسة البسكوسوماتيك التحليلي المعروفة بمدرسة باريس او بمدرسة مارتي. فيعرض لهذه المدرسة ولأسسها النظرية فيقدم الشروح لمفاهيم الاعصبة البسيكوسوماتية من سلوكية وطبائعية على أنواعها ومن ثم يعرض للأعصبة التقليدية وللذهانات الطبائعية والسلوكية وعن التنظيم التحسسي. وينتهي هذا الفصل بعرض خطوات وأساليب المدرسة الباريسية في تصنيف الاضطرابات البسيكوسوماتية (البنية الاساسية - المميزات العظمى المهيمنة اعتيادياً  - الخصائص الحادية العظمى والخصائص الناجمة عن العلاج النفسي) وعن الأحلام البسيكوسوماتية.

2 - جدول التصنيف النفسي - الجسدي :

وهذا الفصل هو ترجمة لدليل المدرسة الباريسية للتصنيف «  Classification Marty/IPSO ».

     3 - دراسة ميدانية:

قام بهذه الدراسة البروفسوران P.Marty  وJ.B Stora وهدفا من خلالها إلى اختبار مدى فعالية جداول التصنيف النفسي - الجسدي ومدى قدرتها على تدعيم التشخيص وعلى إستبطار مستقبل المرضى.

وتناولت هذه الدراسة 323 مريضا وتوصلت إلى النتائج التالية:

1 - ان 62.8% من المرضى يحتاجون إلى متابعة نفسية غير محدودة.

2 - ان 4.81% من المرضى مصابون بآفات عضوية.

3 - ان 39.3% من المرضى مصابين بالعصاب الطبائعي.

4 - ان 64.3% من مرضى كرون يعانون عصابا طبائعيا غير مؤد التعقيل.

5 - ان 16.7% من المصابات بسرطان الثدي يعانين عصابا طبائعيا سيئ التعقيل.

6 - ان 54.6% من مرضى السكري يعانون من سوء التعقيل.

ويخلص الباحثان إلى القول بعملية وفعالية جداول التصنيف النفسي - الجسدي ويوجهان الدعوة لاعتماد هزه الجداول مما من شانه أن يكون بنوك معلومات ومعطيات برمجة معلوماتيا. الأمر الذي من شانة أن يسهل الدراسات والأبحاث في ميدان البسيكوسوماتيك .

أن هذا الفصل هو إحدى أوائل الركائز البسيكوسوماتية في المكتبة العربية .

 * الفصل الثاني : الانهيار (Depression) وهو مصطلح تناقشت حوله مطولا مع المؤلف حيث المصطلح الشائع هو اكتئاب . وفي هذا الفصل تعريف لحالات الاكتئاب وتعريف تفريقي بينها وبين حالات القلق . ثم عرض للتصنيفات المعتمدة في تشخيص هذه الحالات والأدوية التي تعالجها . مع التركيز على حالات الاكتئاب المقنع- الذي يلبس قناع الاضطرابات الجسدية - masked depression   وصولا إلى عرض مضادات الاكتئاب الحديثة واقتراحات لعلاج الحالات المقاومة للعلاج. ويركز النابلسي في هذا الكتاب على الاكتئاب الارتكاسي الذي يأتي كردة فعل نتيجة التعرض للشدائد (Stress) وفية  يميز بين الاكتئاب الصريح والاكتئاب المقنع (Masked) بمظاهر جسدية. ويمرض لانتشار هما في مجتمع الحرب اللبنانية

الفصل الثالث :اضطرابات الآكل ويقسم الى بابين:

1- الهزال وعلاجه النفسي.

2- السمنة وعلاجها النفسي.

حيث يناقش المؤلف اضطرابات  الآكل  من الوجهة التحليلية - النفسية فيربطها , على طريقة فرانز الكسندر ,بالعلاقة بالأم في مرحلة ما قبل تعلم اللغة . ويعرض لمختلف العلاجات النفسية المتوفرة لهذه الحالات بدءا بالعقاقير ومرورا بالتمارين الاسترخائية  والعلاج المعرفي والتحليلي .

الفصل الرابع: القرحة وعلاجها النفسي ,ويلفتنا في هذا الفصل عرض النمط السلوكي لمريض القرحة  وفيه الخصائص السلوكية المشتركة لدى مرض القرحة. والواقع أن دقة عرض هذه الخصائص توحي بإمكانية بناء قياس خاص لمرضى القرحة على غرار قياس جنكينز الخاص بتحري النمط السلوكي (أ) المميز  للأشخاص المعرضين للإصابة بأمراض الشرايين التاجية .

الفصل الخامس: أمراض القلب النفسية، وفيه يتطرق الدكتور النابلسي إلى عرض جملة الإضرابات التي كانت تصنف تقليديا في إطار عصاب القلب. فيوضح اختلاف هذه الاضطرابات باختلاف أشكالها وعوارضها العيادية: فيعرض للاضطرابات القلبية التالية

1  - تسارع نبض القلب.

2  - خفقان القلب.

3 - عثرة القلب،

4 - اختلاج القلب.

5 - تناذر قلب المحارب.

6 - تناذر القلب زائد الحيوية.

7 - انخفاض الضغط الانفعالي.

8 - مرض بوفيريه.

9 - عصاب القلق.

10 - ارتفاع الضغط الانفعالي.

11 - تناذر اكس.

12 - أمراض القلب الانسدادية.

وفي نهاية الفصل يعرض المؤلف لعلاج هذه الحالات النفسي والدوائي والاسترخائي.

* الفصل السادس: الربو والحساسية وعلاجهما النفسي، يبدأ الفصل بتصنيف الحساسية وتحديد أنواعها لينتقل إلى مناقشة الربو والحساسية من الوجهة الطبية -العضوية البحتة ثم يأتي الرباط بين المرض و الانفعالات وبين المريض وعلاقاته بمحيطه ليلخص إلى عرض التصنيف السيكوسوماتي لامراض الربو و الحساسية وفي النهاية يقدم المؤلف اقتراحاته للعلاج النفسي لهذه الحالات ضمن أطر ثلاثة هي :

1- 1لاسترخاء في علاج الربو.

2- التحليل النفسي في علاج الربو.

3- الخطوات العملية للعلاج النفسي لحالات الربو والحساسية .ويمتاز تناول النابلسي لامراض الربو والحساسية بالرؤية السيكوسوماتية - التحليلية . حيث يعرض لهذا الأمراض باعتبارها سيكوسوماتية ملاحظا اثر الانفعالات والشدائد في إطلاق نوبات الربو و الحساسية .

ويمتاز تناول النابلسي لامراض الربو والحساسية بالرؤية السيكوسوماتية - التحليلية. حيث  يعرض لهذا الأمراض باعتبارها سيكوسوماتية ملاحظاً اثر الانفعالات والشدائد في اطلاق نوبات الربو والحساسية.

الفصل السابع : العقم وعلاجه النفسي.

ويتناول الكتاب كما يوحي به عنوانه مسائل الانجاب والعقم والتلقيح الاصطناعي. فمسألة الانجاب قضية حيوية في المجتمع العربي، حيث يشكل العقم واحداً  من اعمق وجوه المعاناة الانسانية واصعبها على الاطلاق. فالانجاب هو استمرار لحياة الوالدين بعد وفاتهما. ومن المعروف ان هناك مشاكل عضوية - جسدية من شأنها ان تتسبب في احداث العقم، كما بات معروفاً ان التوازن النفسي - الجسدي من شأنه ان يضطرب ان التوازن النفسي - الجسدي من شأنه ان يضطرب، مؤديا لاضطرابات وظيفية وعضوية متنوعة، الامر الذي يدعوى الى الربط بين الاضطرابات العضوية المؤدية للعقم، وبين الحالة النفسية للعاقر. كما ان هناك حالات نفسية معينة، من شأنها ان تؤدي الى عقم. نفسي دون أي سبب عضوي او وظيفي. وفي مثل نفسي دون أي سبب عضوي او وظيفي. وفي مثل هذه الحالات يقف الاطباء حائزين وعاجزين عن اعطاء التفسيرات الفيزيولوجية لمثل هذه الحالات.

ومهما كان نوع العقم، فان الزوجين العاجزين عن الانجاب هما شخصان محتاجان فعلا للعلاج والدعم النفسيين، وخصوصا، ان الابحاث الحديثة استطاعت ان تثبت امكانية لعلاج النفسي في تحقيق شفاء عدد من حالات لعقم، وخصوصا حالات العقم النفسي.

وفي الواقع، ان مناقشة هذا الموضوع قضية صعبة وقد استهلها الدكتور النابلسي في كتابه المذكور بشرح وتحليل موقف كل من المرأة والرجل من الانجاب، وتعمق في هذا الجانب - في الفصلين الاولين - وصولا الى تحديد مواقفهما اللااوعية من موضوع الحمل والانجاب والاطفال ومسؤولياتهم وتربيتهم، وغيرها من العوامل التي تختلف من مجتمع لآخر، ومن دين لدي، حيث تتغير هذه المواقف وتختلف، وربما تتعارض، في قضايا الجنس، ومع الحمل، وتجديد النسل، والتبني، والتنقيح الاصطناعي ... الخ.

وبعد عرضه لهذه المواقف المتبادلة، والمتناقشة احيانا، ينتقل المؤلف الى عرض الاسباب العضوية والوظيفية التي من شأنها ان تؤدي الى العقم لدى كل من الرجل والمرأة، مع الاشارة، طبعا، الى سير العوامل النفسية في الاسهام باسباب العقم او في تطور هذه الاسباب.

ويلاحظ الدكتور النابلسي، في الفصل الثالث - ان العقم النفسي لدى المرأة يمكن ان يعود الى اوضاع مزاجية وحالات نفسية (الخلفة) العقلي، او عدم انتظام دورتها الشهرية لاسباب عصيبة - نفسية، او اصابة المرأة باضطرابات تناسلية - وظيفية، كمثل تشنج انابيب الرحم وغيرها من الاضطرابات البسيكوسوماتية، أي (النفسية - الجسدية) ... اما لدى الرجل فيعود العقم الى عدد من الاضطرابات الجنسية ذات المنشأ النفسي، مثل (سرعة القذف، انخفاض كمية المني، الخلافات الزوجية، الارهاق الجسدي والنفسي.... الخ).

وبعد ان يتوقف، في الفصل الرابع، عند موضوعي، التبني، والتلقيح الاصطناعي وموقف كل من الرجل والمرأة منهما، ينتقل الدكتور النابلسي في الفصل الخاص الى موضوع علاج العقم فيتناوله من ناحيته الطبيعة والنفسية، فيستعرض العلاج الطبي والعقاقير المستخدمة في علاج العقم مع موجبات وموانع استعمالها، ويعرض ايضا للعلاجات الجراحية، وخاصة تلك التي تتعلق باصلاح العوائق الميكانيكية المؤدية للعقم، ثم يتوقف عند العلاج النفسي لحالات العقم، فيعرض عددا من اساليب هذا العلاج، ويعطي الاسئلة عن عيادية ثم علاجها وفق طرائق العلاج النفسي، وذلك من خلال الجداول والصور الايضاحية، مما يسهل استيعاب الموضوعات التي يطرحها الكتاب.

ومن الحالات المعروضة، في العلاج النفسي للعقم:

 - حالة عقم نفسي عقب فقدان المرأة لطفلها السابق.

 - حالة عقم نفسي عقب وفاة طفل ولد مشوهاً.

 - حالة عقم نفسي ناجمة عن الخوف من انجاب طفل جديد.

 - حالة عقم نفسي ناجمة عن الخوف من الانجاب.

 - حالة عقم نفسي ناجمة عن انجاب طفل شبيه بالاخ المتشرد.

 - حالة عقم كاذب.

 - حالة الزواج غير الممارس.

 - المهيلية.

 - حالة عقم نفسي مترافقة مع فشل التلقيح.

 - حالة عقم رجولي مستمرة بعد معالجة مسبباتها العضوية.

- حالة عقم نفسي بسبب الحداد على الاب.

بالاضافة الى عدة حالات اخرى متنوعة تمثل نماذج واقعية من اسباب العقم النفسي.

عند هذا الحد تنتهي سلسلة الامراض السيكوسوماتية ناقصة مجموعة من الاجراء التي اشار الغلاف الى صدورها لاحقاً. وهذه الاجزاء هي:

1- سيكوسوماتيك المرأة.

2- الاضطرابات الغددية.

3- السكري وعلاجه النفسي.

4- السل وعلاجه النفسي.

5- الجنس والمرض النفسي والسيكوسوماتي.

وهذه الاجراء ضرورية لاتمام هذه السلسلة (المجلد) لتحمل عنوان الامراض السيكوسوماتية. وربما كان من الضروري اضافة مقدمات، او فصول كاملة، حول اضطرابات الاجهزة الهضمية والتنفسية والبولية - التناسلية ان اخراج هذه السلسلة على شكل كتيبات قد اساء الى محتوياتها التي تعتبرها نواة اساسية لعيادة سيكوسوماتية عربية. لذا يسعدني انهاء عرضي لهذه السلسلة بالتمني على الزميل النابلسي اتمام نشر اجزائها الباقية واصدارها بشكل مجلد يساعد القارئ على ادراك مدى جدية المعلومات التي يعرضها المؤلف والتي اعتبرها سابقة هامة في المكتبة العربية واساساً لتثقيف الاطباء والاخصائيين في الميدان ودعم ممارستهم العيادية بأحدث المعلومات والاقتراحات العلاجية.

نهاية لا يسعنا التذكير بجهود الدكتور النابلسي في الميدان، اذ انه يرأس مركز الدراسات النفسية والسيكوسوماتية. وهو يقود الابحاث والترجمات في المجال/ ومن مساهمات المركز في ميدان السيكوسوماتيك اود التذكير الاصدارات التالية:

1 - الحلم والمرض النفسي والنفسدي (مترجم لبيار مارتي).

2- سيكوسوماتيك الهستريا (مترجم عن المؤتمر 28 للمحللين الناطقين باللغات اللاتينية).

3 - عيادة الاضطرابات الجنسية (مترجم لجاك واينرغ).

4  - نظريات حديثة في الطب النفسي (مترجم لاليزابيث موسون).

بالاضافة الى عمل المركز على تقنين الاختبارات للاستخدام في عيادة السيكوسوماتيك حيث نشر المركز في مجلته « الثقافة النفسية » تقنيات استخدام اختيار رورشاخ ومدن ورودولف ورسم الشخص ورسم الزمن في ميدان السيكوسوماتيك. حيث بينت هذه الدراسات وجود استجابات خاصة بالمرضى السيكوسوماتيين امام هذه الاختبارات. كما نشر المركز عشرات الدراسات السيكوسوماتية في مجلته وفي مجلات اخرى من عربية واجنبية.

4 - نحو سيكولوجيا عربية

      مشروع النابلسي لفكر الاختصاص

تعيش امتنا العربية، في هذه الايام، حقبة حاسمة من تاريخ نضالها ساعية لاستعادة تنظيمها (Reorganisation) في عالم تعج به الامواج والانواء والاعاصير والتقلبات ويزداد فيه الصراع وتحتدم فيه المنافسات الاقتصادية والتكنولوجية والتطاحن العالمي والاقليمي والمحلي.

وتواجه امتنا العربية كثيرا من التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والفكرية.

وتقتضي هذه التحديات ان تعمل امتنا العربية - وخاصة علماؤها وباحثوها - على ملاحقة ركب حضارة العصر، تلك الحضارة التي يسير فيها التغيير بخطوات سريعية متلاحقة، فالتطور لا يقف لحظة عند حد معين. الامر الذي يجعل من الضروري ان يقوم علماء هذه الامة باستخدام العلم ومناهجه والياته وادواته في التصدي لما يواجه المجتمع العربي من المشكلات، تصديا علميا، يقوم على البحث والدرس والتخطيط، وسعيا وراء تحقيق التنمية الشاملة، والتقدم والتطور والرخاء والازدهار. وذلك بوضع الحقائق العلمية موضع التطبيق في كافة مجالات الحياة العصرية.

فان امة تلهث انفاسها للحاق بركب الحضارة، لا يمكن ان يكون جهود علمائها ضربا من الترف العلمي او ان يجلس علماؤها في ابراجهم العاجية بعيدا عن معترك الحياة في المجتمع. وهذا ما يفعله، وكثيرون غيره، عالم كبير وباحث مدقق وعربي غيور على عروبته ووظنيته وعلى تخصص العلمي هو الدكتور محمد احمد النابلسي مدير عام مركز الدراسات النفسية بلبنان, فمنذ غير قليل وهو يكرس جهوده من اجل وضع الحقائق والمعطيات والنظريات والمنجزات والمكتشفات العلمية في مجال علم النفس والطب والتربية، وضعها موضع النفاذ والتطبيق، لتعم الفائدة والنفع على عالمنا العربي كله من محيطه الى خليجه.

كرس الدكتور النابلسي جهوده لهذه الرسالة القيمة وبلورها وجمعها في كتاب صدر عن دار الطليعة في بيروت، يحمل عنوانه اسم الدعوة التي نحن يصددها (نحو سيكولوجيا عربية). ومن بالغ اعجابي بهذا الكتاب وصاحبه، اثرت ان اقدم له تحليلا شارحا لمادته وفحواه ودعواه ومتلمسا ما يمكن بين السطور في هذا العمل العلمي الرائد ...... تلك الدعوة التي تنادي، اولا، بتطبيق علم النفس ونشره وتدريسه في كل المؤسسات التعليمية واجراء البحوث الميدانية في هذا المجال الحيوي على امتداد عالمنا العربي، للاستفادة من المبادئ النفسية في تنمية الانسان العربي، واعادة تكوينه وتمتعه بالصحة النفسية والعقلية، وتحقيق تكيفه وسعادته ورفاهته وتقدمه وتطوره، وحمايته من الاصابة بالامراض النفسية والعقلية، والتي يزداد انشارها في هذه الايام الى الحد الوبائي.

المدرسة العربية

يواكب هذه الدعوة العملية التطبيقة في فكر العلامة/محمد النابلسي دعوات اخرى لا تقل اهمية ولا قدرا ولا شرفا عن دعوة التطبيق وهي تكوين مدرسة عربية في علم النفس. بحيث تنبع حقائقها ومعطياتها من الواقع العربي وهو ما زال مجالا خصيا وبكرا امام الباحث العربي في العلوم النفسية. وذلك حتى لا يقال ان علماء النفسي في بلادنا ان هم الا مجرد نقلة ومترجمون للتراث السيكولوجي في بلاد الغرب. واذا كان هذا الوضع صحيحا لاصبح علم النفس المنقول غريبا وبعيدا عن الروح العربي الاصيل. وغير معبر عن اعماق الشخصية العربية... تلك الشخصية التي تربت ونشأت وترعرعت على ضفاف الثقافة العربية، وهي ثقافة. ولا شك، اصيلة وراقية.

والكتاب الذي اشرف بتقديمه للقارئ العربي الكريم عبارة عن حلاصة فكر عالم عربي يمتلئ حسه ووجدانه بالحماسة لكل ما هو عربي ووطني صادق. ولقد أفراد الدكتور النابلسي الفصل الأول من كتابه للدعوة لضرورة قيام « مدرسة عربية للطب النفسي ولعلم النفس » وفي هذا الفصل يورد المبررات الداعية لقيام علم نفس عربي المنشأ والمادة والمنهج ويعني بالشخصية العربية ومشاكلها، وكيفية تنميتها.

ويتبع هذه الدعوى لاقامة « علم نفس عربي ». ضرورة ترجمة التراث العلمي الغربي، مع ضرورة الاتفاق بين العلماء على المصطلحات الفنية المستخدمة في مجال علم النفس وترجماتها من اللغات الأجنبية تسهيلا وتيسيرا للتواصل العلمي بين علماء النفس على امتداد عالمنا العربي.

وبطبيعة الحال كان لا بد للدكتور النابلسي أن يدعو إلى ضرورة التوسع في إجراء البحوث الميدانية العملية على واقع البيئة العربية , ثم توثيق هذه البحوث وربطها بشبكات الحاسب الالي لسهولة تداولها بين المشتغلين بعلم النفس والطب النفسي. ومن ثم التنسيق وتبادل الاستفادة ومنع التكرار وضياع الجهود.

ويمتاز الفكر السيكولوجي عند الدكتور محمد النابلسي بالشمولية والتكامل, وعلم النفس لا يقف في الميدان مستقلا عن غيرة من العلوم والمعارف الأخرى, وانما يتفاعل ويترابط وإياها فيتفاعل مع الطب الأدب والفلسفة والهندسة وعلم الاجتماع واللغويات والتربية.

 وهنا تبدو حقيقية جوهرية في الفكر السيكولوجي عند الدكتور النابلسي مؤداها أن هناك جانبا سيكولوجيا في كل هذه الفروع وتلك المجلات, فالسياسة والطب والعسكرية والاقتصاد والتربية, لا تخلو من وجود عناصر نفسية قوية تحرك العمل في هذه المجلات. ويستعرض د. النابلسي مشكلة من أهم مشاكل التطبيق في مجال علم النفس والتربية وهي تلك المشكلة  المتعلقة بمشروعية تطبيق الاختبارات والمقاييس النفسية المنقولة أو المترجمة عن اللغات الأجنبية. وتتمثل هذه المشكلة في وجوه من يعارض تطبيقها على عينات عربية أو على الشخصية العربية وهي مصممة ومقننة للاستخدام على شخصيات أميركية أو غريبة تربت في ثقافات مغايرة للثقافات العربية, وعلى ذلك لا يصح أن نقارن درجات طفل في أعماق الريف أو الصعيد المصري مثلا بدرجات نده أو زميله الأمريكي.

فقد يكون من السهل ان نسأل الطفل الأميركي. عن طول ارتفاع تمثال الحرية، ولكنه من غير اللائق أن نوجه السؤال ذاته للطفل العربي. ولكن للرد على هذه الاشكالية نقول ان علماء النفس والتربية لا يطبقن الاختبارات الاجنبية  بصورتها الاصلية او ينقلونها نقلا حرفيا وانما يعيدون صياغتها ومفرداتها ويعيدون حساب صدقها وثباتها بتطبيقها على عينات عربية، ويضعون لتفسير حساب صدقها وثباتها بتطبيقها على عينات عربية، ويضعون لتفسير دلالاتها "معايير" مستمدة من التطبيق،على الشخصيات العربية، وبذلك لا نقارن الطفل العربي بطفل امركي، وانما نقارن درجاته بزميله العربي، بل الذي يتحد معها او يتساوي معه في السن والجنس والمستوى التعليمي والاجتماعي والاقتصادي ومحل الاقامة.

ولذلك نبه النابلسي، وبكل الحق، اننا "هنا نستنتج استحالة تطبيق أي اختبار نفسي وفق الاسس والاصول الغربية في مجتمعنا العربي اذ ان القواسم المشتركة تكاد تنعدم نل وتتناقص في اكثر من ناحية ويلخص ذلك في شكل الصعوبات اللغويه، واختلاف النظام الأسري ومكانه الرجل والمرأة واساليب التنشئة الاجتماعية للذكر والانثى في مجتمعنا العربي عن نظائرها في المجتمع الأوروبي.

وينادي الدكتور النابلسي بضرورة صبغة المعالجات النفسية في البيئة العربية بالصبغة العربية والثقافية والأخلاقية. وفي قضية النقل والاقتباص عن الغرب ينبغي ان نقول ان الاقتباص والنقل والاستفادة من حضارة الغرب وعلومه العلاقة بين الطب وعلم النفس يدعو النابلسي الى تحاشي صراع الاختصاص وبدلا منه يدعو الى قيام التعاون بين الطب والمشتغلين به وعلم النفس والقائمين عليه. كما يدعو الى قضية بالغة الاهمية والخطورة وهي ضرورة نشر الوعي النفسي او الثقافة النفسية كسبيل اكيد للوقاية والحماية من الاصابة بالامراض النفسية والعقلية والسيكوسوماتية، وذلك بالاكثار من الندوات وعقد المؤتمرات ونشر الكتب والكتيبات والمجلات القاء المحاضرات العامة في مجال التوعية الصحية.

والحقيقة ان قضية التوعية قضية بالغة الاهمية، فهي تحمي المواطن العربي من الوقوع في مستنقطع المرض العقلي. او السقوط بئر الادمان او الوقوع في برائن الجريمة والانحراف والازمات او الوقوع في برائن الجريمة والانحراف والازمات النفسية تبدد طاقة الانسان وتهدها وتشتت الانتباه وتقضي على الطاقة الانتاجية، ولذلك فان العلاج انما هو ضرب من ضروب الاستثمار النافع، وليس من قبيل الخدمات.

وفي مجال العلاج يتحدث د. النابلسي عن ضرورة قيام فريق متنوع التخصص بعملية العلاج بدلا من ان ينفرد به معالج واحد. وذلك استكمالا للصورة المرضية، وشمولا وتبادلا للخبرات. ولا يفوت الدكتور النابلسي ان يدعوى الى ضرورة تأهيل وتدريب الطبيب النفسي تأهيلا علميا واخلاقيا ومهنيا.

ولا ينسى الدكتور النابلسي انه عاش وعاصر وكابد من ويلات الحرب التي اندلعت شرارتها على ارض وطنه الام لبنان الشقيق، ولذلك تحدث عن عصاب الحرب اللبنانية، والهلع من السيارات المفخخة والاضطرابات العقلية والنفسية والعصبية والسيكوسوماتية التي تعقب صدمة الحرب وضغوطها النفسية.

وفي ختام هذه الدراسة الرائدة يستعرض الدكتور النابلسي مناهج البحث في حالات الكارثة، وطرق اجراء فحص الذين يتعرضون للصدمات والتعرف على الاثار الجسمية والنفسية التي تدركها الصدمة في شخصية المصدوم.

ومن امثلة الصدمات الحروب والزلازل والبراكين والفيضانات والسيول.

وبعد، فهذه رحلة عابرة في ارجاء فكر النابلسي السيكولوجي ودعاويه للنهوض بهذا العلم الفتي والشاب والحديث والاستفادة منه الى اقصى درجات الاستفادة في النهوض بعالمنا العربي. وفوق كل شيء في النهوض بالانسان العربي الذي هو اغلى ما نتملكه من ثروات

5 - قراءة سيكولوجية في مسلسل الكوارث العربية

عن مركز الدراسات النفسية بلبنان صدر للدكتور محمد احمد النابلسي كتاب بعنوان " العلاج النفسي للاسرى ولضحايا العدوان ". والمؤلف يعتبر المؤسس لفرع دراسات الكوارث في الوطن. اذ عايش مآسي الحرب اللبنانية والاجتياح اسرائيلي والاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على لبنان طيلة ربع قرن. عاين خلاله ضحايا هذه الصدمات المتنوعة في عيادته الخاصة. فالنابلسي يجمع بين الممارسة العيادية للطلب النفسي وبين التدريب الجامعي والبحث والتأليف العلمي. ويعتبر كتابه " دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية " اول المراجع العربية في الميدان. حيث اعتمد مرجعا لغالبية دراسات الحرب اللبنانية واعتمد للتدريس في الجامعة اللبنانية وجامعات عربية اخرى. كما استخدم مرجعا لدراسة الكوارث العربية في العديد من الصراعات العربية. بل ان الكتاب لا يزال يحظى باهتمام خاص بالرغم من صدور طبعته الاولى في العام 1985. كما قام المؤلف بترجمة عدد خاص بالصدمة النفسية اصدرته مجلة " فصول في الطب النفسي الاسنكدينافي " ونشر هذه الترجمة تحت عنوان " الصدمة النفسية - علم نفس الحروب والكوارث ". ولعل اهم دراساته الاكاديمية في المجال هي اطروحته لنيل الدكتوراه في طب الامراض النفسية والعقلية والتي كانت بعنوان " العقابيل النفسية والعقلية والسيكوسوماتية للاوضاع الشدية ".

ايضا شارك المؤلف في عرض المآسي اللبنانية في العديد من المؤتمرات العربية والدولية اضافة لاقامته عدة ورشات عمل لتدريب الاطباء والاختصاصيين للتعامل مع ضحايا الصدمات. وللتدريب على تطبيق بعض الاختبارات الصدمية.

وبذلك يأتي كتاب علاج الاسرى ليتوج هذه الخبرة التراكمية وليطرق موضوعا طرحه الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني. الذي ترافق مع تحرير اسرى معتقل الخيام. حيث من المتوقع استقبال بقية الاسرى وتحريرهم. والمطالبة بالتحرير تخص جميع الاسرى العرب لدى اسرائيل وليس فقط اللبنانيين منهم. مما يخرج الكتاب من اطاره اللبناني الى اطار عربي اشمل. حيث يبدأ الكتاب بعرض لروايات الاسرى عن تجاربهم في الاسر على طريقة الجيشتالت. وهي طريقة تتيح للمستمع تحديد المفاصل الاكثر انفعالية في الرواية. اذ ان الراوي. ودون وعي منه، يركز على هذه المفاصل. بما يمكن المستمع - المعالج من استكشاف نقاط المعاناة الاكثر سخونة وتسببا باضطراب صاحب الرواية. ولقد احسن المؤلف انتقاءه للروايات المعروضة بحيث جاءت كلا منها تعبيرا عن خصوصية في المعاناة. كما تمكن ومن خلال هذه الانتقالية ان يبرز الفروق الفردية بين الاسرى. حيث تختلف المعاناة باختلاف عوامل عديدة مثل السن والجنس والتوقع والتدريب المسبق والشخصية السابقة للتعرض الى الاسر... الخ من الفروق التي تلعب دورا رئيسيا في تحديد اضرار الصدمة وآثارها المستقبلية. وهذا العرض انما يثبت لنا اهمية دراسة هذه الفروق مستقبلا. لكن الاولية تبقى الاهتمام بعلاجهم من شدائد الاسر. وهذا هو الموضوع الرئيسي للكتاب. حيث يمكننا تلخيص الاقتراحات العلاجية المقترحة من النابلسي على النحو الآتي: تأتي الرعاية الطبية وعلاج الامراض العضوية في المقدمة لتليها مرحلة علاج اضطرابات الوعي (المشوش تحت ضغط الاسر) في المرحلة الثاني. ثم يأتي العلاج النفسي الداعم والمساعد على التكيف والعودة للحياة العادية في المرحلة الثالثة. مع الانتباه الشديد لضرورة متابعة تطورات الحالة في المستقبل. وفي جولة سريعة في المحتويات نجد ان الكتاب يبدأ بعرض لروايات الاسرى حول تجاربهم لينتقل الى شرج تقنيات التأثير على الوعي ولتوقف عند التقنية المعتمدة اسرائيليا والمسماة بالجرجدة. حيث توضع وسادة تحت راس الاسير لترتج بصورة متواصلة تمنعه من تحقيق فترات نوع طبيعية. وذلك بحيث يؤدي اضطراب النوم الى اضطراب الوعي. دون ان يخلف ذلك آثارا ممكنة الملاحظة فاسرائيل شديد الحساسية في ما يتعلق باخفاء عدوانيتها واستعارة الاقنعة لها.

بعد ذلك ينقلنا الى عرض مسلسل الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على لبنان مناقشا دور الطب النفسي في التصدي لها. لاكمال الصورة يخصص الكتاب فصلا للتعريف بعصاب الحرب بصفته احد الاشكال الاكثر حدة للعصاب الصدمي. ويتم هذا التعريف عبر متابعة تاريخية لنشأة المصطلح واستخداماته المختلفة والخلط بينه وبين العصاب الصدمي. ليصل الى مناقشة التصنيف الاميركي لهذا العصاب وليبين وجود ثغرات عديدة في هذا التصنيف. ولكن ماذا عن مصير الصدمة؟ هل هي تنتهي بانتهاء العوامل الضاغطة؟ وهي تتظاهر خلال مدة محددة؟ وهل تميل بعض اشكالها للازمان؟ ... الخ من الاسئلة التي يجيب عنها الفصل الثالث ليعتبر ان عساب الوساوس المرضية هو الشكل الاكثر انتشارا للصدمات المزمنة. ثم يأتي المؤلف لمناقشة موضوع الاسرى بعد هذه الفصول التمهيدية التي تضع القارئ في اجواء المعاناة الصدمية بكافة صورها وتفاصيلها. فيعرض للعلاج التنويمي الذي يجري على شكل دورات. وهو متبع في علاج حالات الاكتتاب والرغبات الانتحارية وسائر انواع تشوش الوعي. اما على صعيد العلاج النفسي فيعرض الكتاب لمبادئ التيارات العلاجية التالية: 1 - تقنية ازالة التحسس المهنجي و 2 - تقنية ترميم البنية المعرفية و 3 - تقنية العلاج النفسي التخيلي و 4 - تأكيد الذات و 5 - الاسترخاء المراقب البيوفيدباك و 6 - تقنية العلاج التنويمي الذاتي و 7 - التفريغ الانفعالي و 8 - العلاج النفسي الجماعي و 9 - المتابعة العلاجية و 10 - العلاج الواقعي. واستفاض الكتاب في شرحة لهذه التقنية العلاجية التي قننها الباحث الكويتي بشير الرشيدي بحسب ظروف البيئة العربية.

ان هذه الكتاب يشكل اضافة هامة الى المكتبة العربية في مجال دراسات الصدمة. فهو عبر تصدية لاحد اصعب اشكال الصدمة او اكثرها تهديدا يقدم امكانيات التعمق في الاشكال الصدمية الاقل حدة. وتلفتنا هنا المقارنة التي يعقدها المؤلف بين مريض السل - نزيل المصح وبيه الاسير. اذا تتشابه التجربتان من حيث التهديد الصاعق بالموت واحتمال عدم الخروج حيا من المصح او المعتقل. وتختلفان لجهة مصدر التهديد. فهو خارجي - وعدواني في حالة الاسر وداخلي متأتي من داخل الجسد في حالة المرض. وهكذا وعبر هذه الاشارة العابرة ينبه المؤلف الى ان الاشتراك في معاناة احتمالات الموت يمكننا من استخدام الخبرات العلاجية والعلائقية في حالات صدمية مختلفة جذريا من حيث مصدر التهديد. وبمعنى آخر فان المؤلف يقرر وجود علاقة تبادلية بين مختلف انواع تهديدات الحياة بما يسمح للباحث وللمعالج باستعارة الخبرات ونقلها من ميدان لآخر. وعبر الاشارة الى بحث النابلسي حول معاناة مريض السل يتبين لنا ان علاقة المؤلف مع الحالات الصدمية يعود الى ما قبل معايشته للحرب اللبنانية. اذ بدا دراساته في المجال من خلال الحالات الخطرة للمصابين بداء السل. كما لاتفوتنا دراساته حول المعاناة النفسية لمرضى السرطان وحول التعامل مع عائلات المرضى المدنفين على الموت. مما يجعلنا نعيد تعريف الكتاب كما اورده الناشر على صفحة المرضى المدنفين على الموت. مما يجعلنا نعيد تعريف الكتاب كما اورده الناشر على صفحة الغلاف الاخيرة. يسجل للمؤلف سبق اصداره لاول الكتب العربية الباحثة في موضوع الحروب وضحاياها على المستويات النفسية و السيكوسوماتية ... و هذا السبق متعدد الصعد يكرس الدكتور محمد احمد النابلسي كمؤسس لفرع سيكولوجية الحروب و الكوارث في الوطن العربي .. 

الفصل الرابع

عرض لاعمال الدكتور الرشيدي في مجال الصدمة

1- الحرب وسيكولوجية المجتمع هو عنوان الكتاب الذي نختاره لعرض تجارب الدكتور الرشيدي في الميدان. حيث يتضمن هذا الكتاب مجموعة من اهم بحوثه في مجال الصدمة . على ان نلحق هذا العرض بعرض للنموذج  العلاجي الذي يقترحه المؤلف استنادا الى نظرية الختيار والمسمى بنموذج التعامل مع الذات.

كان اجتياح الكويت فجر الثاني من اغسطس بمثابة التحدي الاكبر لهذا المجتمع الآمن عبر تاريخه، وكان تحدياً مركباً يتضمن اشد معاني " الصدمة " و " الازمة " و " الضغط "، انه كان بمثابة الصدمة بما تعنيه من وقوع الاذى والاضرار والظلم والخسائر والاصابات والجورج الجسدية والآلام النفسية، والهزة العنيفة للنفس والعقل مثلما كان بمثابة هزة عنيفة في الجوانب الفيزيقية والمادية بالبيئة، لقد احدث ذلك خللاً واضطرابا في التراكيم الوظيفية functional  للفرد والجماعة، والعدوان العراقي كان بمثابة صدمة انتهكت سعي المواطن

والمجتمع الكويتي لإشباع الحاجة الحاجة الال الامن والسلامة والتحرر من الخوف والتهديد ونقيض النظام والحماية.

كما ان العدوان العراقي على الكويت كان حربا شاملة، والحرب هي اكثر الازمات التي تتسارع فيها احداث ومواقف ومحن تمتد انعكاساتها الى اجيال عديدة لانها في حقيقتها عدوان على الوطن ومؤسساته ورموزه، وعلى الفرد والمجتمع، ويشيع فيها فقدان الحياة والثروة او التهد虈د بظل عوامل تنطوي على آثار نفسية واجتماعية وتربوية تعانهيا قطاعات عريضة من المجتمع ولفترات زمنية قد تستمر لأمد طويل، وينتج عنها آثار ومشكلات تعتمل في كل جوانب حياة الانسان وفعالياته السلوكية والمعرفية والانفعالية والجسمية والاجتماعية.

في هذا الاطار يأتي كتاب (الحرب وسيكلوجية المجتمع) لمؤلفة الاستاذ الدكتور بشير صالح الرشيدي. الكتاب يتضمن مجموعة من الدراسات والبحوث المتعمقة، القائمة على المنهج العلمي، لتلقي الضوء على ابعاد تلك المحنة التي تسبب فيها العدوان العراقي بما في ذلك الممارسات غير الانسانية لذلك العدوان، وكيف تعامل الشعب الكويتي مع تلك المحنة بأصالته وقوة شخصيته، وان كان قد عانى من جرائها الكثير.

يتضمن الكتابت تسعة فصول، كل منها عبارة عن دراسة قائمة بذاتها، وتتكامل جميعها لتشكل وثيقة بالغة الاهمية في الوجود الكويتي عبر اهم مرحلة في سياق تطوره. ونظراً لأهمية الكتاب وعقمه. فان تقديمه للقارئ يتعين اتاحة فكرة موجزة عن كل دراسة من الدراسات التي يحتويها.

يتضمن (الفصل الاول) من الكتاب دراسة عن الحرب الفنسية التي مارسها العدوان العراقي ضد الوطن والمواطن الكويتي. ويوضح المؤلف ان الحرب النفسية لم تكن اقل بشاعة من الحرب العسكرية والجريمة الحربية التي قام بها ذلك العدوان الغاشم، وقد اهتمت الدراسة ببحث جوانب التأثير ورد الفعل السيكولوجي تجاه الحرب النفسية التي مارسها العدوان العراقي، وذلك لأن هذا التأثير ورد الفعل من شأنه ان يلقى المزيد من الأضواء على جوانب التكوين النفسي وخصائس الشخصية الكويتية.

في هذا الاطار ارتكزت الدراسة على ثلاثة محاور اساسية، يدور كل منها حول بنود محددة للكشف عن استجابات المبحوثين تجاهها، وهي جميعهاً مستمدة من اصول نظرية عن الحرب النفسية بوجه عام وتطبيقاتها اثناء فترة العدوان العراقي بوجه خاص، تتمثل هذه المحاور في: محتوى الرعب في الحرب النفسية، اساليب الحرب النفسية مشاعر المبحوثين تجاه القوى الفاعلة في الحرب النفسية.

ولقد اجريت الدراسة على عينة عشوائية قوامها (1000) مفردة من المواطنين الكويتيين ذوي الاعمار (15) سنة فأكثر يتوزعتون بين من كانوا بالداخل ومن كانوا بالخارج بواقع خمسمائة مفردة لكل مجموعة، تم اختيار العينة بناء على الخصائص الديموجرافية للكويت حسبما توضح ذلك الإحصائيات الرسمية بحيث تقترب العينة في خصائصها من خصائص المجتمع الاصلي قدر الإمكان. واعتمدت الدراسة على الإستبانة كأداة لجمع البيانات، ومرت الاستبانة بعدة مراحل خضعت خلالها للمراجعة والاخبار والقنين ... وتمت معالجة البيانات بالحاسب الآلي حسب خطة إحصائية مرتبطة بهدف البحث.

توصلت الدراسة الى نتائج بعضها يتعلق بشدة المناعة النفسية لدى المواطن الكويتي بما حال دون تمكن الحرب النفسية من اغتيال ارادة القتال لديه اثناء فترة العدوان. وان كانت الضغوط التي صاحبت تلك الحرب وظروف العدوان - بوجه عام - قد نتج عنها اضطرابات ومشطلات نفسية متنوعة حسبما كشفت عن ذلك العدد من الدراسات، وعلى ضوء استجابات المبحوثين على البنود الخاصة بمحتوى الرعب تبين ان المجموعة التي ظلت بالكويت اثناء العدوان ترتفع بينها نسبة الشعور بالخوف مقارنة بمجموعة الخارج (89.9%)، (79.9%) على التوالي، ولكن هذا الخوف لم يصل الى الدرجة التي تشل ارادة القتال والصمود، البعض الآخر من النتائج التي توصلت اليها الدراسة يقدم تفسيراً عن جوانب فشل الحرب النفسية التس مارسها العدوان، حيث تبين ان الغالبية العظمى من عينة البحث تدرك اساليب العدوان في الكذب والمبالغة والربط المزيف واستغلال الدين والعروبة والاقتصاد... الخ، ومن المعروف علمياً ان اكتشاف الجمهور المستهدف لهذه الاساليب، تفقد معه الرسالة قدرتها على الاهتمام والتأثير. من جهة اخرى توضح الدراسة ان مشاعر عدم الامن على النفس والاهل وكذلك مشاعر الكراهية لرموز العدوان - وكل من تآمر معه او تخاذل عن ادانته ورفضه - كانت بنسب مرتفعة لدى المبحوثين على النحو الموضح في الدراسة، وعلى الرغم من كل الظروف الضاغطة جاءت استجابات المبحوثين لتؤكد بعض جوانب قوى البناء النفسي والمعني وشدة الانتماء الى الوطن لدى عينة البحث.

اما (الفصل الثاني) من الكتاب فيتضمن دراسة عن مؤثرات الاحباط واساليب التكيف المرتبطة بمعوقات اشباع حاجات المواطنين الكويتيين اثناء العدوان العراقي. في هذا الاطار استهدفت الدراسة التعرف على الخبرات المحبطة التي تضمنت عوائق امام اشباع الحاجات النفسية للمواطن الكويتي اثناء فترة العدوان الغراقي الغاشم، وكذلك التعرف على اساليب وانشطة التكيف التي ابتعها هذا المواطن في سبيل التغلب على العوائق بما في ذلك الحيل الدفاعية او دفاعات (الأنا) باعتبارها احدى مظاهر الاضطراب النفسي في حالات معينة. وفي اطار هذا الهدف العام حاولت الدراسة اختبار فريضة " الاحباط - العدوانية "، وكذلك اختبار تأثير متغير الجنس ومتغير مكان الاقامة اثناء فترة العدوان على الخبرات المحبطة وما يرتبط بها من اساليب تكيف وحيل دفاعية. وقد اعتمدت الدراسة على استبانة مقنتة اعدت حصيصاً بما يتناسب مع هدف الدراسة وموضوعها، وتم تطبيق الاستبانة مقننة على عينة عشوائية قوامها (1000) مفردة، تلك العينة التي تتضمن اربع عينات فرعية كل منها (250) مفردة موزعة حسب الجنس (ذكور، اناث) وكذلك حسب مكان الاقامة اثناء فترة العدوان (داخل الكويت، خارج الكويت). توصلت الدراسة الى نتائج توضح في مجملها شدة وتنوع الاحداث الضاغطة التي خبرها المواطن الكويتي نتيجة صدمة العدوان العراقي، حيث ترتفع نسبة المعاناة بوجه عام حتى وان وجدت فروق ذات دلالة احصائية بين مجموعات عينة الدراسة في هذا الشأن، وتتمثل اهم النتائج التي توصلت اليها الدراسة في ان المواطنين الكويتيين قد خبروا مواقف محبطة تتعلق بمعنيين رئيسيين هما: انتهاك السيادة الوطنية لبلادهم من جانب العدوان العراقي، ثم معوقات اشباع الحاجات الاساسية، ويبدو المعنى الاول اشد احباطا لمجموعة الداخل، اما المعنى الثاني فان بعض عناصره كانت خبرات محبطة لعينة الداخل والخارج على السواء مثل ضمن الكويت الى العراق، الغاء جوازات السفر الكويتية، اما البعض الآخر،

فقد كان اشد احتباطاً لعينة الداخل (الغاء الجنسية الكويتية - الغاء العملة والبطاقة المدنية الكويتية، تفريغ الكويت من مواطنيها الاصليين) بينما كانت فكرة التبعية التاريخية اشد احباطاً لعينة الخارج مقارنة بعينة الداخل، وعلى مستوى متغير الجنس، تبين وجود فورق دالة احصائياً بين الذكور والاناث (حيث ترتفع بين مجموعة الذكور) فيما يتعلق بالغاء الجنسية والبطاقة المدنية وتفريغ البلاد من مواطنيها - كخبرات محبطة. اما الغاء العملة وفكرة التبعية فان نسبة الاستجابات الدالة عليها كخبرات محبطة ترتفع بدلات احصائية بين الاناث عن الذكور.

اما من حيث اساليب وانشطة التكيف التي ابتعها المواطن الكويتي اثناء فترة العدوان، تبين من الدراسة انها تدور حول معاني الرفض ومحاولة التغلب على العوائق التي تعترض اشباع الحاجات النفسية والعضوي، كما انها تؤكد صدق فرضية " الاحباط "  - العدوانية "، وقد تبين ان بعض اساليب وانشطة التكيف لا تختلف بدلالة احصائية بين الذكور والاناث، او بين مجموعة الداخل ومجموعة الخارج، وهذه الاساليب هي: التفكير في الانتقام من رموز العدوان بأي وسيلة - المعرفة بتطورات الازمة - تدعيم العلاقات بمن يمكن الاتصال بهم من الكويتيين. اما البعض الآخر فلا تختلف الاستجابات الدالة عليه حسب متغير الجنس وانما تختلف حسب متغير مكان الاقامة، ويشتمل ذلك في اسلوبين فقط هما: بيع بعض الممتلكات والموجودات، تغيير بعض العادات ذات الاهخمية الحيوية عضوياً.

وتكشف النتائح التي توصلت اليها الداسة عن فاعلية دون المرأة الكويتية، كما تكشف عن مدى الاجهاد والضغط الانفعالي الذي خبره المواطن الكويتي بوجه عام وهو يصدد محاولة التغلب على العوائق التي تعترض اشباع حاجاته النفسية والعضوية، الامر الذي يفسر بعض الاساب الهامة وراء الاعراض كنتيجة حتمية للاجهاد النفسي الذي خبره المواطن الكويتي.

واذا كان الاسراف في الحيل الدفاعية من جانب شخصية الفرد يعد احد مظاهر الاضطراب النفسي الناتج عن الاحباط، فان هذه الدراسة - في حدود المنهج المتبع - قد توصلت الى نتائج ذات دلالة، حيث دلت استجابات المبحوثين على ارتفاع نسبة ظهور الحيل الدفاعية (العقلية) لدى هؤلاء المبحوثين، هذه الاستجابات هي القمع والكبت والنقل والتحول والاستدماج واحلام اليقظة. ويرى الباحث ان الاحباطات الشديدة التي خبرها المواطن الكويتي بصورة متكررة اثناء فترة العدوان العراقي، نتج عنها مجموعة من العوارض الاضطرابية التي ظهرت بصورة واضحة بعد التحرير، الامر الذي يؤكد ضرورة وجود البحوث الجادة والجهود العمية المكثفة بهدف رصد ومحاصرة الاعراض الاضطرابية الناتجة عن صدمة العدوان العراقي.

اما (الفصل الثالث) من هذا الكتاب فيتضمن دراسة حول دوافع السلوك الاجتماعي للمواطنين الكويتيين اثناء فترة العدوان العراقي، فالإهتمام هنا نصب على الدوافع (Motives) كمحرك للسلوك، سواء من حيث موقع هذه الدوافع في ترتيب شدة تأثيرها للقيام بالسلوك، او من حيث السلوك ذاته، وقد ارتكزت الدراسة على اطار نظري في تفسير السلوك ذاته، وقد ارتكزت الدراسة على اطار نظري في تفسير السلوك ممثلاً في نظرية الدافعية Motivation Theory، واستخدمت منهج التحليل البعدي (Expost facto)، واجريت على عينة عشوائية قوامها (1000) مفردة من المواطنين الكويتيين مع مراعاة ان تقترب العينة في خصائصها من خصائص

المجتمع، كما اعتمدت على استبانة مقننة كأداة لجمع البيانات. وقد خلصت الدراسة الى ان ظروف العدوان اعادة ترتيب الدوافع بحيث جاءت الحاجة الى حريقة التعبير في الترتيب الاول، يليها الحاجة الى القوة، ثم الحاجة الى الامن البدني، فالحاجة الى الطعام والماء، ثم الحاجة الى المال، والحاجة الى الرعاية الصحية، ثم الحاجة الى امن المسكن والممتلكات، واخيرا لحاجة الى الاتصال ثم الترفيه، كما تبين من الدراسة ان المبحوثين حينما ادركوا حدوث العدوان تبادر الى اذهانهم القيام بسلوكيات معينة تحت تأثير الحاجات الفيزيولوجية وحاجات الامن والقوة والحب والانتماء، وفي سبيل اشباع هذه الحاجات وغيرها - بعد استيعاب الموقف - كان نمط سلوك تعامل الكويتيين مع رموز العدوان يتسم بخصائص معينة تدل على انها تحت تأثير الحاجة الى تأكيد الذات. وترى الدراسة ان هناك ضورةر ملحة للمزيد من البحوث حول دوافع السلوك الاجتماعي اثناء الازمات والحروب.

ويأتي (الفصل الرابع) متضمنا دراسة بعنوان: سيكولوجية جماعات العمل الكويتية اثناء العدوان العراقي، وهي دراسة مقارنة بين جماعات العمل المدني وجماعات العمل العسكري لقد جاءت هذه الدراسة باعتبارها تتناول جانبا اساسيا من جوانب النضال الكويتي ضد المحتل، واهتمت برصد وتحليل الخصائص الدينامية لجماعات العمل الكويتية. وقد اعتمدت الدراسة على استبانة مقننة، ومقابلات متعمقة في جمع البيانات، واجريت على عينة قوامها (280) شخصا جميعهم من المواطنين الذكور الذين تتراوج اعمارهم ما بين 20 الى 53 سنة، وكانوا اعضاء في جماعات عمل مدنية او عسكرية تعمل لصالح المجتمع وقاوم المحتل.

ولم تكن الفاعليات الفنسية الاجتماعية لجماعات العمل الكويتية اثناء العدوان العراقي لتسمح بأن تنعكس سلبيا الاختلافات العرقية او مظاهر التباين الاخرى على ادائها او على اتاحة الفرصة امام جميع الاعضاء للإنخراط في عملياتها، لقد اختفت المسافة الاجتماعية، وانصهرت الاجزاء في كل واحد: تعاون مثمر، تنافس مع نوع خاص، صراع ضد خطر مشترك. اما بخصوص التعاون - كأحد اشكال التفاعل الاجتماعي وديناميات الجماعة، فقط تبين من الدراسة الحالية ارتفاع نسبة الاستجابات الدالة على التعاون داخل الجماعات وفيما بينها بصفة دائمة (39.6%)، (63.6%) على التوالي، لقد كان التعاون بين جماعات العمل الكويتية متجسداً في اعضائها كقيم وسلوك، وعبر عن نفسيه بصورة واضحة اثناء الازمة وتحت تأثير ظروفها الضاغطة، انه تولد تلقائيا، كتعبير عن التلاحم النفسي والاجتماعي، وكذلك كتعبير عن التزام اخلاقي يجسد ضرورة بتطلبها التفاعل بين اعشاء الجماعات لحل مشكلة عامة او تحقيق هدف مشترك.

في الوقت نفسيه تبين الدراسة ان (29.6%) من اعضاء جماعات العمل دلت استجاباتهم على انه كان هناك اختلاف وتباين في الآراء حول بعض الاساليب والوسائل (صراع) وان كان هناك اتفاق على الغابات وثبات على المبادئ، والواقع انه ليس من الممكن وجود جماعة متجانسة تماما والا كانت هناك جماعة خالية من العمليات، جماعة بغير بنية، ان الجماعات في تكوينها تتطلب التناقض والتناحر، كما تتطلب التجانس، والانسجام وليس الصراع داخل الجماعة عنصر هدم بالضرورة، بل ان من قبيل سوء الفهم اعتبار الصراع يؤدي حتما الى تفكيك عمليات البناء.

بحيث تكون المحصلة النهائية حاصل طرح عملية من العمليات الاخرى وانما العكس هو الصحيح : فكلا العاملين الايجابي والسلبي يسهم في بناء العلاقات الاجتماعية، والصراع مثله مثل التعاون له وظيفة اجتماعية ، وهو الى درجة معينة عنصر ضروري في تكوين الجماعة من ناحية واستمراريتها من ناحية ثانية . واذا نظرنا الى بعض الصفات الايجابية للتفاعل على داخل جماعات العمل الكويتية نجد انها كفيلة باستيعاب الصراع بل ودفعه الى ان يكون ايجابيا، على سبيل المثال جاءت استجابات (1،92%) مفصحة عن مشاعر الرضا عن العلاقات دلخل هذه الجماعات ، ويرجع ذلك الى الترابط النفسي والتازر الاجتماعي والتعاطف ووحدة الاحساس المشترك بالخطر ، زد على ذلك بعض الخصائص الاخرى لهذه الجماعات ، فهي مثلا كانت جماعات صغيرة (حتى وان كانت تابعة لتنظيمات اكبر) وفي الجماعات الصغيرة كما هو معروف تكون الفرصة اكبر للمشاركة و التفاعل الاجتماعي ، وتكون الاعضاء اكثر رضا عن الاجتماع ويستغرقون وقتا اقل للوصول الى اتفاق حول الموضوعات المختلف عليها، كما بينت بعض الدراسات ان تعود الاعضاء على بعضهم البعض يجعلهم يقضون وقتا اطول في التعبير عن المشاعر ووقتا اقل في مناقشة الموضوع ، ومع ذيادة خبرتهم يبدون التسامح مع الخلافات ويتطلبون درجة اقل من الاتفاق العلني مع وجهات نظر بعضهم البعض (لامبرت، ص 75) وفيما يتعلق بالتوافقات الاجتماعية المتبادلة ومشاعر الرضا عن التفاعل داخل الجماعة تبين من دراستنا الحالية ان حوالي (72%) من المبحوثين افادوا بانهم كانوا يتوقعون قبول الجماعة لما يطرحونه من افكار واراء، كما بلغت نسبة من افادوا بقوة مشاعر الرضا عن التعاملات داخل الجماعة (6،84%) وفي هذه النتيجة ما يوضح بعض جوانب ايجابية التفاعل الداخلي لجماعات العمل المدني والعسكري في المجتمع الكويتي اثناء فترة العدوان العراقي ، وترتبط هذه النتيجة بتوقعات وادراكات اعضاء الجماعة لوجودهم بها وتفاعلهم ودورهم ، وفيما يتعلق بالادوار والابنية داخل جماعات العمل الكويتية اثناء العدون العراقي ، تكشف نتائج الدراسة عن فاعلية ملحوظة ، ومن المعروف ان بناء الجماعة يبدا بتكرار تفاعل الاعضاء الذين يشتركون في الدوافع والاهداف خلال فترة من الزمن ، ويتضح في هذا البناء نوع العلاقات الاجتماعية بين الاعضاء ، وكذلك مراكزهم وادوارهم ، ويكون تحديد الادوار امرا فائق الاهمية في تماسك الجماعة وفعاليتها خاصة اذا لم يثر اتجاهات سلبية حيال المهام المتضمنة في الدور . وتفيد استيجابات(9،83%) من المبحوثين ان الادوار كانت محددة بوضوح داخل  جماعات عمل كانوا اعضاء بها وبالتالي فهذا يفسر بعض جوانب قوة هذة الجماعات ، خاصة وان الدور - ايا كانت طبيعته - كان يكتسب شرفا ما بعده شرف لانه ببساطة ضد عدو مبين استباح الارض والوطن.

اما كفاءة اداء الادوار ، فان استيجابات (1،65%) من المبحوثين تؤكد هذه الكفاءة ، واذا كانت كفاءة اداء الدور تتحدد بمجموعة من العوامل ، فان الظروف الضاغطة التي كانت تعمل فيها جماعات العمل الكويتية اثناء فترة العدون العراقي ترتبط انعكاساتها على هذه الجماعات بما هو ابعد من ذلك ، ويتصل بالادوار ما اظهرته الدراسة من ان (83.3%) من المبحوثين افدوا بتكامل الادوار داخل جماعات العمل التي كانوا اعضاء فيها، الامر الذي يعني ديناميكية عمليات هذهالجماعات ويفسر ايضا بعض جوانب القوة فيها، ذلك ان تكامل الادوار داخل جماعات العمل يعني خاصيتي التنسيق والتساند بين مكونات متفاعلة صوب غاية منشودة، وهو يتطلب وعيا بقدراتها الذاية والتخطيط لاستخدام هذه القدرات لاستخداما متكاملا في الاتجاه المطلوب.

وفي ختام هذه الدراسة لا يمكن اغفال فكرة هامة ربما تدور في ذهن القارئ وهي انه على الرغم من ارتفاع نسبة الاستجابات الدالة على ايجابية سيكولوجية جماعات العمل الكويتية بوجه عام، الا انها كثيرا ما تكون لصالح جماعات العمل العسكري مقارنة بجماعات العمل المدني، ويفسر ذلك فيما نعتقد بان اعضاء جماعات العمل العسكرين كانوا غالبا من الضباط

والجنود في الجيش الكويتي أي انهم تشربوا بروح الجندية بما تعنيه من الضبط والربط والنظام والتعاون والتضحية وتكرار الذات والصراحة وكتمان السر والخشونة والايمان وغير ذلك من القيم والمعايير التي تحرص المؤسسة العسكرية على تثبيتها في نفوس افرادها بصفة عامة. ومن جهة ثانية، فان اعضاء جماعات العمل العسكري كانوا يدركون تماما بأنهم اكثر استهدافا وملاحقة من قبل رموز العدوان سواء بحكم كونهم عسكريين، او بحكم خطورة المهام والنشاطات التي يقومون بها وما تطلبه من سرية مطلقة مع الدقة في التخطيط والشجاعة والجرأة والمهارة في التنفيذ في ظروف ضاغطة عصيبة.

اما (الفصل الخامس) من هذا الكتاب. فهو عبارة عن دراسة تتناول خصائص التكامل النفسي الاجتماعي في المجتمع الكويتي اثناء العدوان العراقي، فلقد كان ذلك العدوان الغاشم كارثة مجتمعية يتطلب قالتعامل معها - ضمن آليات اخرى - تكاملا نفسيا واجتماعيا بين الافراد والجماعات بما يصب في الاتجاه العام الهادف الى حفظ الوجود الاجتماعي ومواجهة التهديد الخارجي. هذه الدراسة تبحث جوانب التكامل النفسي والاجتماعي في المجتمع الكويتي اثناء فترة العدوان العراقي - واستنادا الى اطار نظري واسس منهجية توصلت الدراسة الى نتائج تؤكد عمق التجسيد العملي لمفهوم التكامل ولقد واكب ذلك التجسيد مظاهر وتعبيرات متعدده بشأن الانتماء للوطن والتي عكستها استجابات ما يقرب من 90% من عينة البحث، من ذلك مثلا حرق العلم العراقي، وحرق صور رموز العدوان خاصة صورة " صدام " واعادة المعاني الكويتية الى الاماكن والجهات التي كانت قوات العدوان قد حولتها الى عراقية، واذا كان جميع المبحوثين قد افادوا بأنهم التزموا بالعصيان المدنى كمبدأ عام، الا ان بعضهم قد اضاف الى ذلك سلوكيات اخرى في سياق رفض العدوان ومقاومته من منطلق الامتثال لمعايير اجتماعية تعبر عن سلوك جماعي متفق عليه في هذا الشأن.

ويرى المؤلف ان من اهم مظاهر التكامل النفسي النفسي والاجتماعي في حدود هذه الدراسة عدم وجود خلافات على اساس  ديني او عرقي او مذهبي، حيث كان المواطنون يتكاتفون من اجل اداء الاعمال والمهام التي من شأنها التخفيف من صعوبات الحياة، وكان هذا التكالف يضم افرادا ينتمون الى اصول عرقية او مذهبية او انتماءات دينية مختلفة، كما تؤكد تقارير المبحوثين التجسيد العلمي لمعاني المودة والالفة، والثقة المتبادلة، والدعم النفسي والاجتماعي بين المواطنين اثناء المحنة، هذا بالاضافة الى غلبة الاحساس الجمعى من خلال الاهتمام بالقضايا والمشكلات العامة والاهتمام المشترك بالتعامل الايجابي مع تلك القضايا والمشكلات - كل ذلك في اطار شبكة قوية من التواصل والاتصال داخل المجتمع، اذ ان حوالي 90% من المبحوثين قد شاركوا في اجتماعات ولقاءات (خارج دائرة الاهل والاقارب). كما تواصلوا مع آخرين من المواطنين الذين لم تكن لهم معهم صلات قبل العدوان، أي ان الاتصال المواجهي والشخصي كان كثيفا جدا بين المواطنين على الرغم من القيود والممارسات الوحشية التي قامت بها قوات العدوان العراقي لقطع اواصر التواصل داخل المجتمع وفرض النمط الاتصالي الذي كانت تربده، وقد كان لجهود التكامل الاجتماعي اثر فعال في احساس المواطن بقيمته الذاتية والانسانية جراء تلك الجهود التي بذلت من قبل المجتمع والدولة حيث كان للدولة وجود اساسى في كل ما يخص الشؤون اليومية للمواطن، فمن خلال متابعة الدولة وتواصلها مع المواطنين في الداخل امكن الحصول على المساعدات المالية، والاغذية والسلاح بصورة المختلفة حتى يتمكن الشعب من الصمود امام جبروت قوات المحتل. ان هذا التجسيد المكثف والتطبيق العملي لمعاني التكامل النفسي والاجتماعي الذي عاشه المجتمع الكويتي اثناء

فترة العدوان العراقي يمكن تفسيره بمجموعة من العوامل المتداخلة والمتفاعلة في آن واحد، ويذكر المؤلف د. بشير الرشيدي، ان اول هذه العوامل يتمثل في حب الوطن: شعباً وقيادة وارضا وانتماء وهوية ولا يمكن الفصل بين هذه المكونات، فكان من الطبيعي ان يشكل ذلك منطلقا للعطاء والتضحية والتأزر بين المواطنين ويساهم في تخفيف المحنة وتجاوزها. العامل الثاني يتمثل في الاحساس المشترك بالخطر والتهديد. فمن الحقائق النفسية والاجتماعية المعروفة ان وجود خطر خارجي يتهدد الافراد او الجماعات يدفعهم عادة الى الوحدة لمواجهته ومقاومته، فيصبح التكامل النفسي والاجتماعي احد الاساليب الاساسية للمواجهة. العامل الثالث بتمثيل في الخصائص النفسية والاجتماعية التي تكونت وترسخت في الشخصية الكويتية على مر السنين بفعل عوامل ثقافية وحضارية، وتتمثيل اهم هذه الخصائص في التمسك بالقيم العربية الاصيلة مثل النجدة والشهامة واغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج، والاخذ بيد الضعيف وحب الحرية وعدم الخضوع للمعتدي، هذه كلها عكستها جهود التكامل النفسي والاجتماعي اثناء فترة العدوان العراقي، ومن الواضح ان محنة العدوان قد اظهرت اصالة معدن الشخصية الكويتية، تلك الاصالة التي لم تضعف او تذوب مع الرفاهية الناتجة عن ثروة النفط. وتؤكد الدراسة على ان التكامل النفسي والاجتماعي في المجتمع الكويتي له جذوره وثوابته في مجمتمع ما قبل النفط، حتى وان كانت هناك تمايزات وفقا الانتماءات العرقية او  المذهبية او الدينية، ثم جاء عصر النفط والاستقلاك الساسي واحلال النظم والمعطيات الحديثة في كافة نواحي المجتمع، فتدعمت عوامل الانصهار النفسي والاجتماعي في بوتقة واحدة هي: " الوطن الكويتي " وعندما وقع العدوان العراقي الآثم واصطدم بأرض راسخة من الانتماء والتكامل الاجتماعي والسياسي بين الشعب والشرعية، وبين الافراد ومختلف الجماعات.

اما (الفصل السادس) من هذا الكتاب فهو بعنوان الخريطة النفسية والاجتماعية للشعب الكويتي بعد العدوان العراقي، حيث قام المؤلف برصد اهم التغيرات والآثار النفسية والاجتماعية التي استجدت على المجتمع الكويتي بعد العدوان العراقي، مع مقارنة ذلك بما كان عليه الحال قبل ذلك العدوان، يهدف الوصول الى الاستراتيجية الصحيحة، ونحن بصدد اعادة بناء الانسان الكويتي.

وقد عرضت الدراسة تفصيلا لاهم الاثار النفسية والاجتماعية على الاطفال الكويتيين، حيث خلف العدوان العراقي لدى كثير من الاطفال تجارب قاسية لا يمكن محوها من ذاكرتهم بسهولة، ولما كانت هذه التجارب تخرج عن نطاق الخبرة المألوفة او العادية للاطفال، فانهم قد عانوا بسببها من مشكلات انفعالية، وتربوية، وسلوكية ..... الخ، ومن المتوقع ان تزداد المعاناة لدى هؤلاء الاطفال الذين كانوا جزءا من عائلة اسير او فقيد او شهيد، او تعرض احدهم او احد افراد عائلتهم للانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان امام اعينهم.

وتورد الدراسة ان نسبة كبيرة من الطلاب قد تعرضوا لمواقف ضاغطة نتيجة العدوان العراقي، الامر الذي ادى الى اشكال متنوعة من المعاناة النفسية كالخوف والخجل والميل الى الانزوا .... وتعدد الدراسة بعض مظاهر الاضطراب النفسي لدى الشباب الكويتي في: (الاكتئاب، الاحلام المزعجة، عدم القدرة على التركيز، التهيج وسهولة الاستشارة العصبية، اضطرابات النوم، العصبية الزائدة، القلق، الكوابيس، العزلة)، والحق ان كل مظاهر الاضطراب النفسي هذه يمكن ان تعد بطريقة او بأخرى - احد مظاهر اضطراب القلق والاكتئاب.

وفي (الفصل السابع) يعرض الكتاب لدراسة (الاعراض الاضطرابية المصابحة لمشكلة الطلاق في المجتمع الكويتي بعد صدمة العدوان العراقي)، فمن واقع الدراسات والبحوث المعنية بآثار هذه الصدمة، تبين انها اسفرت عن اضطرابات سلكوكية وانفعالية ومعرفية وبدنية عميقة، وقد انعكست هذه الاضطرابات في صورة مشكلات اجتماعية على الفرد والاسرة وبالتالي على المجتمع ككل، ويعتبر الطلاق من اهم المشكلات التي اتخذت طباعا متفاقما في فترة ما بعد العدوان العراقي، حيث تأثرت العلاقات وانماط التفاعل بين افراد الاسرة نتيجة للمعانات النفسية، وقد اهتمت الدراسة بالاضطربات المختلفة التي يعاني منها المطلقون والمطلقات، باعتبارهم فئة ذات طبيعة خاصة على الخريطة النفسية الاجتماعية للمجتمع الكويتي، تلك الخريطة التي اوجدتها ورسمتها يد العدوان الآثمة. اجريت الدراسة على عينة قوامها 200 مفردة من المطلقين والمطلقات بواقع 100 مفردة للذكور، 100 مفردة للاناث، وجميعهم من ذوى الاعمار 25 سنة فأكثر، والذين تم طلاقهم بعد العدوان، خلصت الدراسة الى ارتفاع نسبة المعاناة من الاضطرابات بين هذه الفئة لصورة غير عادية نتيجة خبرة العدوان مضافا اليها خبرة الطلاق، ففيما يتعلق بالاضطرابات المعرفية والسلوكية تراوحت نسبة المعاناة بين 67% و 92% بين الذكور، مقابل 79% و 90% بين الاناث، حيث يعاني كلا الجنسين من قصور او عجز للاداء الوظيفي / الاجتماعي، الميول العدوانية، صعوبة التركيز الذهني والنسيان المتكرر وفقدان الادوات الخاصة. اما الاضطرابات الانفعالية فقد تراوحت نسبة المعانات بين 60% و 92% بين الذكور مقابل 69% الى 92% بين الاناث وتتمثل هذه الاضطرابات في المخاوف المرضية، فقدان الشعور بالبهجة، قصور المجال الوجداني، بالاضافة الى سرعة الانفعال، ونوبات الغضب المتكرر، والشعور بالالم النفسي عند التعرض لمواقف ترمز الى الحدث الصدمي سواء كان يتعلق بخبرة العدوان او بخبرة الطلاق. وعلى مستوى الاضطرابات البدنية تبين ان نسبة المعاناة بين الذكور تتراوح بين 65% الى 90% مقابل ما يتراوح بين 68% الى 80% بين الاناث، وتتمثل هذه الاضطرابات في المعاناة من الاحلام المزعجة والمؤلمة وفقدان الشهية والاحساس بالارهاق وفقدان الطاقة، بالاضافة الى الشعور بالالم في اجزاء مختلفة من الجسم. وعند مقارنة هذه النتائج بنتائج دراسات اخرى اجريت على عينات مختلفة من الشعب الكويتي تبين ان المطلقين والمطلقات معانتهم اشد قسوى وخطورة نتيجة الضغوط الانفعالية المضاعفة، ومن هنا يتضح ان العدوان العراقي اذا كان قد تسبب في معاناة الاسرة الكويتية من الاضطرابات النفسية والسلوكية، فانه في الوقت نفسه قد تسبب في حدوث المشكلات التي ضاعفت من هذه الاضطرابات.

وفي (الفصل الثامن) يتضمن الكتاب دراسة تختص بتأثير العدوان العراقي على مسألة الانتماء لدى المواطنين الكويتيين سواء كان هذا الانتماء على مستوى الجماعة، او الوطن، او على المتسوى العربي والاسلامين وقد اجرت الدراسة على عينة عشوائية قوامها (450) مفردة من المواطنين البالغين (من خمسة عشر عاما فأكثر)، ويتوزعون بين الذكور بواقع (220) مفردة، والاناث بواقع (230) مفردة. وتبين من الدراسة ان العدوان العراقي اذا كان قد اسفر عن تدعيم الانتماء الى الوطن، الا ان ما يزيد عن تسعين في المائة من العينة افادوا بأن الروابط داخل الاسرة قد انتابها الضغف نتيجة للانعكاسات النفسية التي خلفها العدوان، كما ان 71.3% منهم افادوا بأن العدوان قد اضعف قد امكانيات تآلفهم مع الجنسيات العربية الاخرى بالكويت، ما على مستوى الانتماء الى الامة العربية والاسلامية فقد كانت آثار العدوان ادهي وامر لقد عبرت استجابات 85.8% من المبحوثين عن ان هذا العدوان اضعف فاعلية الانتماء العربي،/ كما ان 91% منهم عبرت استجاباتهم عن اهتزاز وضعف الشعور بالانتماء الى

الامة العربية 88.7% فقدوا ثقتهم في مفهوم الاخوة العربية 53.6% تشوهت لديهم الصورة الذهنية عن الانتماء العربي، بالاضافة الى ان 47.8% من المبحوثين يرون ان العدوان العراقي هذه مستقبل هذا الانتماء. ونظرا لانقسام القوى والتيارات الاسلامية على نفسيها ومحاولة النظام العراقي استغلال الاسلام لأغراض الايتزاز السياسي فقد ادى ذلك الى اهتزام الثقة في امكانية التجسيد السلوكي لمبدأ الاخوة الاسلامية وكذلك الى التقليل من اهمية الانتماء الى العالم الاسلامي، واذا كان هذا هو الاطار العام لمجمل النتائج التي توصلت اليها الدراسة فان تلك النتائج تصبح اكثر دلالة من خلال النظر اليها على مستوى مجموعات العينة، فقد تبين انه لا يوجد فروق بين الذكور والاناث فيما يتعلق بضعف روابطهم بالاسرة، ولكن المواطنين الذين كانوا في الخارج كانوا اكثر تعبيرا عن هذا الضعف، الامر الذي يعكس عمومية التأثير السلبي للعدوان على الروابط الاسرية من جهة، وان هذا التأثير كان اكثر تفاقما لدى الذين كانوا بالخارج من جهة ثانية. ويبدو ان المواطنين الذين كانوا متواجدين خارج الكويت اثناء العدوان، قد اصبحوا اكثر اندماجا وتفاعلا في اطار الجماعات الثانوية سواء لتعويض ما افتقدوه من صحبة اثناء وجودهم في الخارج او لمناقشة مجموعات العينة تتقارب في درجة التعبير عن ان العدوان قد اضعف من امكانيات تآلفهم مع الجنسيات العربية الاخرى الموجودة بالكويت، ولا تختلف هذه المجموعات اختلافا جوهريا الا في حالة تصنيفهم وفق مكان التواجد اثناء العدوان فالذين كانوا في الخارج كانوا اكثر تعبيرا عن انهم غير مستعدين للتآلف مع العرب الموجودين بالكويت، وربما يرجع ذلك الى ان المتواجدين بالخارج قد حز في نفوسهم تواطؤ بعض الجنسيات العربية مع العدوان العراقي ضد اهلهم وعائلاتهم في الكويت ولمسوا بأنفسهم تصرفات بعض افراد هذه الجنسيات في الخارج لمناصرة العدوان.

تبين من الدراسة كذلك ان متوسط درجة الذكور يرتفع عن متوسط درجة الاناث. فيما يتعلق بفقدان الثقة في مبدأ الاخوة العربية. الا ان هذه الزيادة غير ذات دلالة احصائية بينما ترتفع هذه الدرجة احصائية بين ما كانوا في الداخل عمن كانوا في الخارج. كما يتضح ان انخفاض درجة هذا المتغير بين الذين كانوا في الخارج ربما يفسر في ضوء ما عايشوه بصورة مباشرة من اكرام وحسن معاملة من جانب بعض الشعوب العربية بما يجسد حقيقة مبدأ الاخوة العربية كشعوب دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، وسوريا، ولبنان عندما استقبلت الكويتيين واقاموا بها لفترة، وهذا ما يعايشه بصورة مباشرة من كانوا داخل الكويت اثناء العدوان، وتبين من الدراسة ايضا ان متوسطة الدرجة المعبرة عن ضعف الانتماء الى العالم الاسلامي يرتفع بقروف معنويه بين الذكور عن الانات, بين من كانوا في الداخل عمن كانوا في الخارج. وهذه النتائج في مجملها تؤكد ما خلفه العدوان من آثار سلبية على بعض جوانب الانتماء لدى المواطنين الكويتين. سواء كان ذلك في اطار الجماعاة الاولية والثانوية في الاطارين العربي والاسلامي. ومن هنا تتأكد صحة الفرضية الاساسية التي انطلقت منها الدراسة.

اخيرا يأتي (الفصل التاسع) من اكتاب متضمنا دراسة عن الامن الوطني الكويتي من منظور التربية مع التركيز على الدلالات الامنية لتأثير العدوان العراقي على النظام التربوي بمدارس الكويت. هذه الدراسة تهتم " بالامن الوطني " من منظور جديد ربما يختلف عن المداخل التي اتبعتها معظم الدراسات التقليدية، وقد انطلقت الدراسة من رؤية واقعية مفادها ان التنمية هي جوهر الامن الوطني، ومع تحليل هذه الرؤية نتبين ان الامن النفسي هو العمق الاستراتيجي المعنوي للأمن الوطني، وان " التربية " هي قاعدة " النبت والتاسيس والانماء " لكافة مقومات الامن. وهذا يعني بوضوح ان اختلال التربية او قصورها، يؤدي (بالضرورة) الى اضعاف قدرة الدولة في حماية امنها الوطني الداخلي والخارجي.

وقد بينت الدراسة هذه الفكرة من خلال اطار نظري تحليلي ينتقل بها من مستوى المعنى العام الى مستوى المعنى الخاص. وهو واقع التربوي في المدارس الكويتية والذي تعرض لتخريب وتدمير بنيته التحتية والتنظيمية من قبل القوات العسكرية للعدوان العراقي في الثاني من اغسطس 1990 وحتى السادس والعشرين من فبراير 1991، لقد ناقشت الدراسة مظاهر هذا التخريب والتدمير في مدارس التعليم العام بكافة مراحله، وكذلك في رياض الاطفال، كما بينت مظاهر التناقص التربوي في ابعاده الكمية، وما يعنيه ذلك من خسارة للامن والتنمية ليس فقط على المسمتوى الكويتي، وانما على المستوى العربي ككل، حيث كانت المؤسسة التربوية الكويتية تقدم خدماتها لابناء الجاليات العربية التي تعمل بالكويت، ومن هذه الفكرة استعرضت الدراسة اهم الآثار النفسية والاجتماعية والتربوية لدى التلاميذ بفعل حدوث العدوان في حد ذاته، وما قامت به قواته من ممارسات غير انسانية ضد جميع فئات المجتمع الكويتي بما في ذلك مصادر التربية والتنشئة والمستهدفين منها.

ويرى المؤلف انه منطلق ارتكاز النظام التربوي الكويتي - تخطيطا وتنفيذا على مفاهيم الامن والتنمية، بل والاخذ بأحدث التطبيقات والنظريات في هذا الشأن. كشفت الدولة جهودها لاعادة النظام التروي في المدارس الى ما كان عليه قبل العدوان العراقي، وتم ادخال تطويرات تربوية تناسب الواقع الجديد، بحيث تكون التربية مرتبطة ايجابيا بمتطلبات الامن القومي الكويتي، لقد تم بالفعل ازالة آثار التخريب المادي، وتوفير قاعدة تنظيمية جدية، ولكن التحدي الحقيقي للنظام التربوي، يتمثل في تلك الآثار الاضطرابية التي نتجت عن العدوان العراقي، لقد تضمنت الدراسة ان تلك الاثار ظهرت بصورة مرضية لدى بعض تلاميذ المدارس، وانها ذات انعكاسات سليبة مباشرة وغير مباشرة على العملية التربوية، وبالتالي على الامن والتنميةن فاذا اضفنا الى ذلك ما للاسرة من دور اساس في التربية والتنشئة، واذا علمنا ان بعض الآباء، والامهام قد عانوا العديد من المشكلات النفسية نتيجة العدوان العراقي، ندرك مدى تأثر دون الاسرة في تربية النشئ بفعل ذلك العدوان الغاشم. فالمستهدفون من التربية (الابناء) والقائمون على جانب اساسي من التربية (الاباء، والامهات) كلاهما خبر محنة نفسية تعوق دور وفاعلية المؤسسة التربوية، الامر الذي ينعكس سلبيا على التنمية والامن. وامام هذا التحدي تحرك المجتمع الدولة، وتم تخطيط وتنفيذ الاستراتيجيات الهادفة الى رصد ومحاصرة الآثار النفسية والاجتماعية والتربوية التي خلفها العدوان العراقي، ولم يزل العمل مستمرا في هذا المضمار، وهناك بعض النتائج المشجعة.

ان كتاب (الحرب وسيكولوجية المجتمع) يمثل موسوعة بكل معاني الكلمة، لقد تضمن دراسات تتصف بصرامة المنهج، ودقة النتائج، وعمق التحليل الكيفي، ولا شك ان الاستاذ الدكتور/ بشير الرشيدي بانجازه هذا الكتاب قد حقق اضافة جديدة للجهود المخلصة التي تبذلها الدولة واجهزتها المعنية، وللاقلام الكويتية الشابة التي تناولت آثار العدوان العراقي على المجتمع الكويتي.

2- نموذج التعامل مع الذات: إضافة جديدة الى نظريات علم النفس

بداية، فان النظرية   (Theory)هي التي تضفي القيمة والأصالة على العلم، وتخرج بمحتواه من التشتت الى الترابط، ومن الفوضى الى النظام والضبط ومن الذاتية الى الموضوعية. واجمالاً، فان العمل بدون النظرية لن يخرج عن كونه ملاحظات غير مترابطة ومفاهيم غير ذات معنى، وبالتي، فان النظرية لا تقل أهميتها للعلم عن أهمية البحوث التجريبية.

ولقد ظهرت عشرات التعريفات لمصطلح النظرية، فهناك من يرى ان النظرية هي فكرة عقلية منظمة تشير الى مبدأ او مجموعة من المبادئ التي تحاول تفسير ظاهرة معينة تتميز بالثبات و الاستمرارية.

وهناك من يرى ان النظرية عبارة عن مجموعة من القضايا العامة المصاغة بطريقة منطبقة، والتي تشير الى مجموعة من الأفكار الواضحة في الواقع العلمي، ويشترط ان تكون هذه القضايا منسقة ومرتبة بشكل يسمح بأن تستمد منها التعميمات استقرائيا. وان تقود الباحثين الى المزيد من الملاحظات والتعميمات لتوسيع نطاق المعرفة.

ويرى الدكتور/ يشير الرشيدي ان النظرية " هي إطار منطقي يربط بين مجموعة من المبادئ العامة والمكونات الجزئية غير المتناقضة في بينتها بما يفسر واقعا معينا " ان صفة (منطقي) تعني الا تصطدم النظرية، يعني الا تتناقض الكليات مع الجزئيات، والا تتناقض الكليات مع بعضها البعض، او الجزئيات مع بعضها البعض، كما ان (التفسير) يعني (وظيفة) النظرية.

والنظرية في المجال العلمي تؤدي وظائف على درجة كبيرة من الأهمية سواء على مستوى الممارسة. او على مستوى البحث العلمي واثراء المعرفة والفكر في مجال التخصص، وفيما يتعلق بالنظرية في العلوم الإنسانية على وجه الخصوص تزايدت الاتجاهات القوية خلال التسعينات بضرورة ان تنحو هذه النظريات الى التطوير والتطور، وان تقتحم المشكلات التي مازالت دون حسم، وان تكون بمثابة الإطار المتكامل والصحيح لتحقيق الوظائف المتوقعة من النظرية بوجه عام، تلك الوظائف التي تتمثل في جمع او ملاحظة علاقات تجريبية ذات دلالة، وكذلك إدخال النتائج التجريبية المعروفة في إطار علمي متناسق ومبسط، بالإضافة الى التجريد من التعقيد الطبيعي بطريقة تتسم بالكفاية والتنظيم. ولا شك ان الباحث يقوم بالتجريد والتبسيط سواء استخدم نظرية ام لا. ولكنه ان لم يسترشد بالخطوط الهادية لنظرية واضحة فان المبادئ المحددة لنظريته ستختفي في قروض ضمنيه واتجاهات لا يفطن ايها. ان النظرية تحدد لمستخدمها عددا من الأبعاد التي قد يختلف من تحديدها، ومن المتغيرات او المقاييس ذات الأهمية الحاسمة. اما الجوانب الأخرى من الموقف فيمكن الى مدى معين تجاهلها من وجهة نظر هذه المشكلة،

وفي المجال النفسي، فان الكثير من النظريات قابل للتطبيق في عديد من المواقف ويمكن ربطه بالبيانات والممارسات العملية، كما ان الكثير منها ساهم في تطوير المعرفة وافاد الممارسين في تنظيم افكارهم وممارساتهم وتجاوز الأساليب القائمة على المحاولة والخطأ.

وتستند طرق الإرشاد والعلاج النفسي على جانب كبير من الأسس والمبادئ التي توصلت اليها نظريات التعلم ونظريات الشخصية، فكل هذه النظريات تدرس السلوك وتفسره، وفي الوقت نفسه فان المرشدين والمعالجين النفسيين يتعاملون مع السلوك، انه موضوع اهتمامهم

 وان كانوا يتعاملون مع السلوك المضطرب او غير السوي او غير المقبول وفضلا عن ذلك المظهر السلوكي الذي يتعامل معه المرشد او المعالج يقع داخل مجال الشخصية في بعديها الفردي والاجتماعي، بهدف أحداث تغيير من نوع ما في السلوك. وعلى الرغم من ان طرق الإرشاد والعلاج تختلف في طبيعتها الخاصة وكذلك في مدى التغير السلوكي الذي تتجه اليه وتعمل على تحقيقه، الا أنها تتفق في تقبل التغيير السلوكي ويشمل ذلك تغيير الادراكات والمشاعر والقيم والاتجاهات والأهداف والأفعال، من جهة أخرى فان التعلم هو تغيير في السلوك، وبالتالي لا محل للفصل بين نظريات التعلم وطرق الإرشاد والعلاج النفسي.

وفي إطار نظريات علم النفس، ظهر حديثا نموذج الإرشاد النفسي، الا وهو (التعامل مع الذات) للأستاذ الدكتور/بشير صالح الرشيدي.

تعريف بالدكتور بشير الرشيدي صاحب نموذج التعامل مع الذات

صاحب نموذج التعامل مع الذات، هو الدكتور/بشير الرشيدي، استاذ علم النفس التربوي بجامعة الكويت، ورئيس مجلس أمناء مكتب الإنماء الاجتماعي بالديوان الأميري، والذي يتبع سمو أمير البلاد مباشرة.

والدكتور الرشيدي مواطن كويتي من مواليد الكويت 1952، تلقى تعليمه الأولى في مدارس الكويت، وحصل على الدرجة الجامعية الأولى في العلوم من جامعة الكويت عام 1975، وقد أوفدته الدولة في بعثة علمية الى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد حصل على الماجستير والدكتوراه في علم النفس التربوي من جامعة ولاية اوهايو عام 1982، وفي نفس العام عاد الى وطنه الكويت ليؤسس مركزا للإرشاد النفسي فكان هذا المرتكز هو الأول من نوعه في المنطقة العربية. وبتكليف من أمير دولة الكويت. قام الدكتور بشير الرشيدي بتأسيس مكتب الإنماء الاجتماعي في نوفمبر عام 1992، ويختص المكتب برصد ومحاصرة الآثار النفسية والاجتماعية والتربوية التي خلفها العدوان العراقي على الكويتيين، وقد حصل الدكتور بشير الرشيدي على دراسات عليا متقدمة (بعد الدكتوراه) في مجالات عدة اهمها اضطرابات ضغوط ما بعد الصدمة، إدارة منظمات الخدمة النفسية، الإرشاد الأسرى.

وللدكتور بشير الرشيدي عشرات الدراسات المنشورة في الدوريات العلمية العربية والأجنبية كما انه اثرى مكتبة علم النفس بمجموعة من الكتب التأطيرية العميقة، وهو عضو في منظمات مهنية وأكاديمية في الولايات المتحدة والدول الأوروبية. والدكتور الرشيدي من أصحاب مدرسة العلاج بالوقاع التي تقوم على نظرية الاختيار. وقد حقق شهرة واسعة في منطقة الخليج العربي ومصر – ويحظى الدكتور بشير الرشيدي باحترام كبير كأحد المشتغلين بعلم النفس، ويستقبل بحفاوة بالغة في المؤتمرات والمحافل الدولية.

نموذج التعامل مع الذات

نموذج التعامل مع الذات يعرف أحيانا بنموذج 2/3/4 وهذا يرجع الى ان العنصر الأول في النموذج يتضمن عنصرين فرعيين، اما العنصر الثاني، فيتضمن ثلاث عناصر، في حين يتضمن العنصر الثالث أربعة عناصر.

النموذج اساساً. وضع لتعديل السلوك غير المتوافق، ثم طوره المؤلف وذلك لانه يؤمن بصورة الانتقال بالارشاد النفسي من دائرة العلاج الضيقة الى دائرة الوقاية برحابتها، فالنموذج بهذا المعنى جاء اساسا في إطار الارشاد النفسي، انه يفسر السلوك غير المتوافق، مثلما يرشد الى تحقيق السلوك المتواف

التعامل مع الذات

 

   معرفة الذات:       محبة الذات:        ممارسة الذات:

 

             (1) تحكم                 (1) قبول الذات                   فلسفة

             (2) تمييز بين :          (2) حماية الذات                  رسالة

    - الفعل                (3) تنمية الذات                   أهداف

    - الفاعل                                                     خطة

    - التفاعل

 

صحة نفسية / توافق

 

يتكون نموذج التعامل مع الذات من ثلاثة أجزاء تتفاعل مع بعضها البعض فيكون الناتج (شخصية متوافقة)، فالشخصية المتوافقة لن تخرج عن كونها تفاعلا صحيحا بين تلك الأجزاء، اما إذا كانت الشخصية مضطربة، فهذا دليل مؤكد على اختلال او غياب او اضطراب هذه الأجزاء، وبناء عليه، فان الشخصية المضطربة او غير المتوافقة يمكن لصاحبها ان يصبح بشرا سيوا وانسانا متوافقا اذا كان سلوكه تتوافر فيه المكونات الثلاثة المبينة في نموذج التعامل مع الذات: وهي معرفة الذات، محبة الذات، ممارسة الذات. وفيما يلي توضيح موجز لهذه المكونات:

اولا: معرفة الذات:

يرى (الرشيدي) ان المعرفة في معناها العام كثيرا ما تدل على الفهم او التعلم، كما انها تعني المعلومات التي لدى الفرد عن موضوع معين، هذا المعنى العام لمصطلح (المعرفة) ينطبق على (معرفة الذات)، هل يعرف الانسان ذاته؟ وهل يتعلم كيف يفهم ذاته؟ وماذا لديه من معلومات عن ذاته؟ ان الإجابة على تلك التساؤلات تتمثل في جانبين أساسيين هما التحكم والتمييز:

(أ‌)    التحكم: بمعنى ان الإنسان يتحكم في سلوكه من داخله هو، بالمؤثرات الخارجية مهما كنت بالغة الشدة مرتفعة القيمة لا تتحكم في سلوك الإنسان، وانما الذي يتحم في هذا السلوك هو الإنسان ذاته، ولكن ما هي القوى الهائلة التي تحدد سلوك الإنسان؟ أنها (الحاجات) الموجودة في البوم الصور داخل عقل الإنسان، وهذه الحاجات عامة عند جميع بني البشر، وتندرج تحت خمس فئات أساسية هي: حاجات البقاء، حاجات الانتماء، حاجة القوة، حاجات الحرية، حاجات الترويح، ان أي سلوك يأتي به الإنسان انما يهدف الى إشباع حاجة او اكثر في إطار هذه الحاجات، وبالتالي فانها هي الموجهة للسلوك، وهي جزء جوهري من ذات الإنسان، انها جزء ، لكن ليس :أي جزء، فعلي الرغم من انها ليست شيئا ماديا يمسك، الا انها هي القود الهادرة التي تدفع الى السلوك. فإذا عرف الإنسان ان سلوكه يأتي من داخله لتلبية حاجات داخلية لديه، وان المؤثرات الخارجية لا تحدد هذا السلوك، فان ذلك يمثل معرفة صحيحة لازمة لتحقيق التوافق.

(ب‌)  التمييز : ويعني ان الفرد لكي يتمتع بالصحة النفسية يجب ان يميز بين أربعة مكونات أساسية في تعامله مع الآخرين، وهذه المكونات هي: الفعل (Action)، الفاعل Actor))، الانفعال (Emotion)، التفاعل (Interactio).

(1)  الفعل: هو ما يقدم به الفرد، واذا قام الفرد بفعل ما، فان هذا من اختياره هو، وليس تحت تأثير مؤثرات خارجية، والفعل كأحد مكونات السلوك الكلي اكثر وقوعا تحت سيطرة الفرد، وتذهب نظرية الاختيار الى ان مفتاح التحكم في السلوك اذا يتمثل في الأفعال (لاحز ان السلوك الكلي يعني: الفعل + المشاعر + التفكير + الوظائف العضوية الداخلية بالجسم).

(2)  الفاعل: وهو الطرف الآخر، او الإنسان الآخر، في علاقته بالفرد، والإنسان كائن اجتماعي، وهو يعيش حياة تتضمن علاقات بغيره على مستوى الاسرة والمجتمع، ومن المنطقي ان بعض تصرفاتهم وسف لا تروقه، بل انها قد تؤذيه، في هذه الحالة، فان الفرد إذا اراد ان يكون متوافقا وسويا، يجب ان يفصل بين (الفعل) (والقائم بالفعل) بمعنى ان (يرفض الفعل)، (ولا يرفض الفاعل) وبدون هذا الفصل سيدخل الفرد في علاقة سوء لا تنتهي مع الآخرين، الامر الذي يفضي الى معاناته من سوء التوافق النفسي.

(3)  الانفعال: ان نموذج التعامل مع الذات يؤكد ضرورة ان يعي الفرد ضرورة السيطرة على انفعالاته فلا يترك هذه الانفعالات تسيطر عليه، والا انغمس في انفعالات غير سارة تجعله عرضة للمعاناة النفسية. الفرد بإمكانه الاختيار بين السيطرة على انفعالاته بما يؤدي اليه ذلك من توافق، او ان تسيطر عليه انفعالاته فيسوء توجهه ليغرق في دوامة المعاناة.

(4)   (التفاعل Interaction وهو احد مجالات التمييز، ضمن نموذج التعامل مع الذات، ويشير الى علاقة الفرد بالموقف المثير للانفعالات بما في ذلك نوعية هذه العلاقة ومدتها الزمنية وتقييمه للموقف ككل :

·    هل يتعامل الفرد مع الموقف الخارجي على ان هذا الموقف هو الذي حدد استجابته؟ ام الفرد يعني ان استجابته داخلية المنشأ وليست خارجية المنشأ، أي ليست نتيجة الموقف كمثير خارجي؟

·          ما علاقة الفرد بالموقف: هل انتهت بانتهائه، ام انه انعكاساتها على السلوك الكلي اتخذت عمقا زمنيا ابعد؟

وبعد مناقشة مقتولة لمكون معرفة الذات وما يتضمنه من أفكار، يخلص النموذج الى ان الصحة النفسية تتطلب ان يعرف الفرد انه هو الذي يتحكم في سلوكه، ويسيطر عليه، وان المثيرات الخارجية لا سيطرة لها على هذا السلوك، وان السلوك هادف الى إشباع حاجات الفرد حسب البوم الصور في العقل، كما ان الصحة النفسية (التوافق النفسي) تنطلق ان يميز الفرد بين الفعل والفاعل والتفاعل والانفعال، وذلك على النحو السابق توضيحه.

ثانيا : محبة الذات :

حسب نموذج التعامل مع الذات، فان المحبة كأحد مكونات هذا النموذج – تتضمن ثلاثة أبعاد أساسية:

(أ‌)         قبول الذات

(ب‌)    حماية الذات

    (ج) تنمية الذات

(أ‌)         قبول الذات:

كان مصطلح (الذات) محل تناول مستفيض في إطار نموذج التعامل مع الذات، ويخلص النموذج الى مقولة (ذاتك هي انت)، ذات الفرد هي الفرد بكل ما هو عليه من استعدادات وقدرات، وجوانب قوة، وجوانب ضعف، هي الفرد بشكله الخارجي، ومكنونات نفسه (ظاهره وباطنه).

وتقبل الذات، يعني ان يتقبل الفرد ذاته على ما هي عليه، وهو منظور انها ذاته فيهي ملك له، وهي قدر كرمها الله، فكان جديرا بالإنسان ان يكرم هذه الذات، واحد مظاهر التكريم هو (التقبل الحقيقي) فالإنسان المتقبل لذاته سوف يكرم ذاته، ويستطرد صاحب نموذج التعامل مع الذات مسائلا: هل قبول الذات يعني قبول الجوانب غير السوية فيها؟ ثم يجيب على ذلك بالقول: ان هذا التساؤل قليلا، لوجد إجابة كافية في متضمنات النموذج خاصة في الجزئية الخاصة بتنمية الذات وحماية الذات، لكن التأكيد هنا، هو ان رفض السلبيات والقصور في الذات. لا يعني مطلقا رفض الذات. وانما يعني العكس تماما، انه يعني قبول الذات وحبها والعمل على الارتقاء، بها من خلال (أفعال) تحقق ذلك، وهنا يكون الإنسان المتوافق، الذي يحب ذاته، اما الفرد الذي يعرف جانب القصور في ذاته ويصبح هذا القصور (او السلبيات) بمثابة عقدة نفسية، ولا يقدم الفرد على (أفعال) لتعويض القصور ازالته، فانه يكون قد اختار المعاناة وسوء التوافق لقد اختار رفض ذاته. هناك فرق شاسع بين شخصين يعاني كلاهما من عاهة مستديمة، الأول، تقبل ذاته على عاهتها، وانكب على العمل والإنجاز، فحقق نجاحا مشهودا، او على الأقل عاش سعيدا، اما الثاني، فقد تملكه الحزن واليأس، واخذ يندب حظه السيء ويقارن بين ذاته والآخرين الذين يراهم أسوياء، هذا الشخصي كون قد اختار (رفض الذات) وليس (رفض العاهة)، فضرب بذلك على نفسه – اختيارا – سياجا قويا في دائرة المعاناة، ويقول صاحب نموذج التعامل مع الذات، بأن هذا مجرد مثال للتبسيط والتوضيح، للان مفهوم قبول الذات يتسع ليشمل كل ما يخص الفرد: طباعه وسماته وخصائصه، شكله الخارجي، الزواج والاسرة، التعليم، الوظيفة، الدخل، الطبقة الاجتماعية …. الخ.

(ب‌)    حماية الذات:

حسب نموذج التعامل مع الذات، فان مفهوم الحماية (Protection) يتسع ليشمل وقاية الذات وعلاجها من كل ما من شأنه ان يشكل خطرا عليها، فهو يشمل الوقاية والعلاج من الأمراض البدنية بكافة أشكالها وصورها، كما يشمل حماية الذات من الانفعالات السلبية المدمرة، كالتوتر والحزن والقلق …. الخ، وحماية الذات تشمل كل ما من شأنه الحفاظ على صحة البدن والنفس معا، وكلاهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، والحفاظ على الذات يتطلب ان يسعى الفرد الى المعرفة، وان يتواصل صادقا مع ضميره (الانا العليا) ليجد إجابة شافية بشأن ما ذا كان سلوكه هذا هو ذاك مدمرا للذات او حاميا لها. ويقول صاحب نموذج التعامل مع الذات "وانه لامر مؤسف ان نجد الناس يقدمون على سلوكيات رغم عمليهم بأن فيها تدميرا لذواتهم، او ليس التدخين مثلا مدمرا للذات؟ او ليس تضييع الوقت تدميرا للذات؟ او ليس الانحراف بكافة صوره وأشكاله تدميرا للذات؟ او ليس الحزن والهم تدمير للذات؟ …. هذه السلوكيات والكثير من أمثالها تدمير للذات، وعلى الرغم من ذلك الإنسانية امارة بالسوء، لكن الإنسان له حرية الاختيار بين الانصياع والامتثال للنفس او رفض ما تأمر به".

(جـ) تنمية الذات:

يقصد بتنمية الذات اتباع كل ما من شأنه إتاحة الفرصة للذات لتفعيل ما لديها من طاقات وقدرات لتحقيق اقصى نجاح ممكن. فاكتساب مهارات جديدة هو تنمية للذات، وصقل مهارات قائمة هو تنمية للذات، وممارسة الرياضة لتقوية الجسم هو تنمية للذات، الامر نفسه فيما يخص تحصيل العلم، ومعايشة العصر، والتحرر من الخوف، والتدريب الذاتي على السيطرة على الانفعالات، كل ذلك تنمية للذات، وفي رؤية مكثفة للغاية، يطرح صاحب نموذج التعامل مع الذات مسألة العلاقة بين " تنمية الذات والمراقبة المستمرة الرحبة للذات "، ويرى ان كل قيمة تؤثر في الذات عندما يتم تقييمها، فالقيمة تعطي للذات بعدا معينا في اتجاه ما يحتاج الى تنمية، واذا ما اختار الفرد قيما ادنى من التنمية اللازمة للذات، في ظل واقع معين له معطياته وخصائصه، فانه حينئذ يكون قد سلك سلوكا" يتناقض مع تنمية الذات، ولتبسيط هذه الفكرة، تقول، ان الفرد الذي يسعى الى تنمية ذاته، فانه ينبغي الا يعيش على هامش معطيات العصر، على الأقل في مجال عمله، والا تؤدي معايشته للعصر، الى التصادم او التضارب بين سياقه الاجتماعي وبين استفادته من معطيات العصر. ويستطرد صاحب نموذج التعامل مع الذات قائلا: ان قليلا من الانتباه، وكثيرا من الاطمئنان النفسي، ومستوى عادي من الرغبة في التطوير يكفي لأن يتبين الإنسان ما الذي عليه ان يفعله من اجل تنمية ذاته. واذا توقف الإنسان عن تنمية ذاته، فانه لا يكون كمجرد الواقف " محلك سر "، وانما هو في الحقيقة في حالة مستمرة من الارتداء او التراجع، لكن ذلك لا يعني ان ينشغل تفكير الإنسان انشغالا تعسفيا بمسألة تنمية الذات، وانما عيه ان (يفعل) ما يحقق تنمية الذات.

ثالثا: ممارسة الذات:

هل يمارس الإنسان ذاته؟ يناقش صاحب نموذج التعامل مع الذات الإجابة على هذا التساؤل مناقشة فلسفية معقدة، لكن خلاصتها هي ان الفرد يمارس ذاته (كإنسان) أعطاه الله نعمة العقل، واسبغ عليه النعم ظاهرة وباطنة، وكرمه على سائر مخلوقاته، وجعله خليفته في الأرض، وامره بالعلم والعمل والفضيلة، فإذا لم يستخدم الفرد ما لديه من قدرات، فانه يكون

غير ممارس لذاته كإنسان، ولكن كيف يمارس الفرد ذاته كإنسان؟ يرى صاحب نموذج التعامل مع الذات ان ذلك يكون من خلال العقل بحيث يكون لفرد عالمه المكون من: فلسفة، رسالة، أهداف، خطة:

(أ‌)    الفلسفة: يقصد بها ان يكون للفرد رؤية معينة يعرف بها وسط الذين يتعامل معهم، وان تكون هذه الرؤية متسقة في مكوناتها، ان الفرد قد يكون معروفا عنه في مجال العمل مثلا انه شخص (متدين)، او (علماني)، او يؤمن بأفكاره ورؤى معينة في جوانب الحاوية المختلفة، والفلسفة من المنظور التخصصي تتضمن معنى الحكمة، ومن الحكمة ان تكون رؤية الفرد للحاوية رؤية سوية تكسبه احترام نفسه واحترام الآخرين وحبهم وليس نفورهم وكراهيتهم. وهنا قد يقال ان الفرد قد لا يكون معروفا عنه توجه معين، فهل هذا يعني انه ليس له فلسفة في الحياة ؟ والإجابة هي ان الكثير من الأفراد الذين نتعامل معهم ليس من السهل ان نحكم على فلسفتهم في الحياة، ولن نعرف ما إذا كانت لهم فلسفة أصلا ام لا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة ان هؤلاء الأفراد ليس لهم فلسفة فيا الحياة، فقد لا يعتبرون عن رؤيتهم في الحياة لغيرهم من الناس. وعدم تعبيرهم هذا قد يكون مقصودا او غير مقصود. ويمكن لنا معرفة ان لهؤلاء فلسفة في الحياة اذا لم تكن تصرفاتهم الظاهرة متناقضة، فإذا كان سلوكهم متناقض، كان هذا دليلا قاطعا على انهم يفقدون فلسفة لحياتهم، ان هذا التناقض قد يتم التعرف عليه بشكل سافر، كأن يؤيد الفرد سلوكا معينا ويعارض نفس السلوك رغم عدم وجود مبررات لهذا التناقض، وقد يتم التعرف على التناقض بشكل خفي إذا تم اكتشاف السلوكيات التي يخفيها الفرد (كمن يدعى الأمانة وينادي بها بين الناس، ويضبط متلبسا بجريمة السرقة)، هؤلاء ليس لهم فلسفة في الحياة، وهذا سبب جوهري لمعاناتهم.

(ب‌)  الرسالة: يقصد بها جوانب دور الفرد في الحياة، ان الزوجة قد تري ان دورها في الحياة هو القيام بدور الزوجة بشكل أساسي، وقد ترى ان دورها في الحياة إثراء وتنظيم المجال المهني الذي تعمل فيه، وقد ترى ان دورها في الحياة هو التوفيق بين دور الزوجة والام من جهة والنجاح في المهنة من جهة ثانية، والشباب قد يرى ان دوره هو إدارة ثروة أبيه واستثمارها، والأب قد يرى ان دوره الأساسي هو توجيه الأبناء ورعايتهم ليحققون نجاحا أكاديميا عاليا، في حين يرى اب آخر، ان دوره هو تكون ثروة لهؤلاء الأبناء ومن ثم ينصرف جهده الى العمل او التجارة…. ان رسالة الفرد في الحاوية تنتظم مستويات من الأدوار، احدها أساسي وبعضها ثانوي، والإنسان المتوافق هو الذي يتوصل الى (تحديد) هذه الأدوار من حيث موقعها في اجندة اهتماماته.

(جـ) الهدف: ويعني ما هو مسنود الوصول اليه وتحقيقه وإنجازه كنتيجة متوقعة مرغوبة، والإنسان المتوافق هو الذي تكون أهدافه واقعية ممكنة التحقيق. وهو الذي لديه الإرادة والمثابرة للوصول الى ما يهدف اليه. فإذا تحقق له ذلك، فليستمتع به، واذا لم يتحقق له ما أراده، فليسعد أيضا او على الأقل لا يحزن ولا يهتز، لان حزنه وتعاسته لن تعيد اليه الماضي، وانما عليه ان (يختار) طرقا أخرى غير الحزن والتعاسة ليعوض ما فاته، او على الأقل ليتجنب إفساد حاضرة.

(د) الخطة: يرى صاحب نموذج التعامل مع الذات، ان جوهر مفهوم (الخطة) على مستوى شؤون الفرد لا يختلف عن نظيره على مستوى المشروع او القطاع او حتى الدولة بأكملها،

فالفرد المتوافق، او الذي يريد التوافق واختاره، يجب ان يخطط لما يريده، والتخطيط يبدأ بتشخيص الواقع وتحديد الوسائل والتوقيتات والأساليب والطرق، ووضع كافة الاحتمالات في الحسبان، والخروج من ذلك كله ما ينبغي عمله، ان الزوجة ق تضع خطة لكسب حب الزوج وثقته، والطالب قد يضع خطة النجاح بتفوق، والموظف قد يضع خطة لتحقيق الترقية الى درجة اعلى او الحصول على مكافأة اكبر… ومن المؤسف ان غالبية الناس تمارس وضع الخطط لأتفه الأمور، ولا تنحو الى التخطيط للامور الحيوية.

هذه خلاصة نموذج "التعامل مع الذات" والذي صاغه الدكتور/ بشير صالح الرشيدي، وعلى الرغم من ان هناك الكثير من الكتابات النفسية عن (الذات) و(التنظيم الذاتي) وغير ذلك من المصطلحات، الا ان نموذج التعامل مع الذات يقدم رؤية متكاملة تتعلق بوجود افصل للذات، وهذه الرؤية ترتكز على البحث الامبيريقي من وجهة وتستفيد من أدبيات علم النفس من وجهة ثانية، وتتفاعل مع الوقاع المعاصر من جهة ثالثة، كما ان نموذج التعامل مع الذات يمكن تطبيقه في الإرشاد الفردي والجماعي، وعلى كل الحالات باستثناء حالات الاضطراب العقلي الشديد، واذا كان نموذج التعامل مع الذات قد تمت صياغته استنادا الى معطيات بحوث امبيريقية متعددة، وكذلك استنادا على التعامل الإرشادي مع حالات متنوعة من الاضطراب السلوكي. الا انه استفاد من أفكار ومبادئ نظرية الأخيار وتطبيقاتها في العلاج بالواقع، وقد قام واضع النموذج بتأليف كتابين في منتهى الأهمية: الأول عن نظرية الاختيار، والثاني عن العلاج بالواقع،وفي هذين الكتابين يرصد ويحلل أفكار (وليم جلاسر) رائد العلاج بالواقع على مستوى العالم.

لكن مطالعة النسخة الأصلية التي كتبها د. الرشيدي عن نموذج التعامل مع الذات، تظهر أيضا ان النموذج قد استفاد أيضا من أفكار مستمدة من علم السبرناطيقا وكتابات عالم الرياضيات الشهير نوبرت وينر، وكذلك كتابات (ماكسويل مالتز) عن علم النفس والسبرناطيقا، بالاضافة الى نظريات الشخصية.