|
تعرض العرب خلال القرن العشرين لمواجهات صدمة عنيفة يحتاج تصنيفها الى دراسة منفصلة. لذلك نوزع هذه الصدمات، باختصار شديد، على المجموعات الاتية: 1 - الصدمات القومية (فشل مشروع الدولة العربية وبروز اتفاق سايكس - بيكو والتقسيمات الحدودية الاشكالية. ثم نكبة فلسطين ونكسة 1967 واجتياح لبنان... الخ). 2 - الصدمات القطرية الداخلية (النزاعات الاهلية في لبنان واليمن وسوريا وعمان والجزائر والسودان... الخ). 3 - الصدمات بين القطرية (النزاعات العربية - العربية وحرب الخليج الثانية خير نموذج). 4 - الصدمات الاصطناعية او الطبيعية (زلزال وفيضانات وانهيارات وحرائق... الخ). اللافت ان هذه الصدمات لم تجر دراستها. فاذا ما استثنينا الحرب اللبنانية وحرب الكويت فاننا لا نجد اية دراسة عربية للصدمات وللكوارث التي تعرض لها عالمنا العرب على مدى قرن كامل. ولعل هذا الغياب يعود جزئيا الى تأخر دخول العلوم النفسية الى العالم العربي، حيث تأخرانشاء اول كلية للعلوم النفسية في الدول العربية الى العام 1952 الذي يمكن اعتباره عام الانطلاقة العربية لهذه العلوم. واذا كانت خسارة نصف القرن العشرين تجد تبريرها بالجهل فكيف يمكننا تبرير هذا الغياب في النصف الثاني من القرن العشرين؟ لكننا نجد ان من الاجدى تقديم دراسة تحليلية مقارنة بين نموذج دراسات الحرب اللبنانية. متمثلا بدراسات الدكتور محمد احمد النابلسي وبين نموذج دراسات آثار الحرب الكويتية متمثلا بدراسات الدكتور بشير صالح الرشيدي. حيث سيقوم الدكتور حسن الصديق بمهمة تحليل التجربة اللبنانية والدكتور عبد الفتاح دويدار بتحليل التجربة الكوميتية. وحيث يمكن لهذه التحليلات ان تساعدنا على تلمس علائم استراتيجية عربية لمواجهة الشدائد وحالات اضطراب الشدة عقب الصدمية (P.T.S.D) في العيادة العربية. اختلاف ظروف التجربتين تفترض المقارنة بين النموذجين البدء بتوضيح الظروف الخاصة لكل منهما على حدة. وباختصار شديد نلخص هذا الاختلاف بالنواحي الاتية: أ - توقع الكارثة : كانت الكارثة اللبنانية متوقعة وذات بداية تدريجية متصاعدة وممتدة زمنيا. في حين كانت الكارثة الكويتية مفاجأة وصاعقة وغير ممكنة التجنب. ومن المعتاد ان تكون الكارثة الفجائية اعمق اثرا واكثر احتمالا للتجسيد (Somatisation)والازمان. ب - مدة التعرض للكارثة: امتدت تهديدات الحرب اللبنانية على مدى سنوات هذه الحرب البالغة سبعة عشر سنة. مقابل التهديد المحدود زمنيا للحرب. الاخيرة جعل شدتها تستمر لبضع سنوات بعد نهايتها عبر هوام تكرار الكارثة. والخوف من التكرار هو نوع من انواع اجترار الكارثة. ج - نوعية الصدمات المرافقة للكارثة: حيث الفارق بين التجربتين هو الفارق بين تجارب الحرب الاهلية والحرب التقليدية حيث تمتاز الاولى بتهديد اكثر مباشرة للمدنيين وباقترابها من حرب الشوارع. لكن الخوف من تطور الصراع باتجاه استعمال الاسلحة غير التقليدية جعل التجربتان تمارسان انعكاسات متشابهة مع اختلاف اشكال التهديد. د - الاستعدادات في مواجهة الكارثة: كان اللبنانيون اكثر استعدادا لمواجهة الكارثة. بل ريما كانت كثافة هذه الاستعدادات سببا في تعجيل اندلاع الحرب الاهلية. في حين انعدمت استعدادات الكويتيين لغاية اصابتهم بالذهول وبعدم التصديق. هـ – مصير الكارثة: الآن وبعد ان تم تطويق الكارثتين، فإن البحث بات متركزا حول مصير الصدمات المصاحبة للكارثة. واذا كان هذا المصير متشابها في معظم الحالات فإن الاختلاف يأتي من واقع تكرار الصدمة لدى اللبنانيين بالمقارنة مع الكويتيين. ومن البديهي القول بأن التكرار يجعل مصير الصدمة ومستقبلها اكثر ظلامية.
نقاط التشابه بين التجربتين وجه الاختلاف بين هاتين التجربتين يستند الى اختلاف شكل الكارثة. لكن وجوه الالتقاء كثيرة وكافية للتقريب بينهما. حيث يكاد الشعبان يملكان ارضية انتروبولوجية - ثقافية متشابهة لدرجة التطابق. فبالاضافة الى عوامل الشخصية القومية المشتركة (دون اهمال الفوارق القطرية) فقد كان لكل من لبنان والكويت دور وظيفي في محيطه. وكان كلا الدورين متشابهان لحد بعيد. ولعلهما يتبديان بصورة شديدة الوضح عبر طريقة شغر هذا الدور الوظيفي بالنسبة البلدان المجاورة لهذين البلدين. وهذا التشابه في التركيبة والدور الوظيفيين يولد اختلاف نتائج الكارثة من زاوية الانتماء. حيث كان طول مدة الحرب اللبنانية دافعا لهجرة اللبنانيين الى الخارج ومعها متلازمة تكييف شبيهة بمتلازمة التكيف التي عاشها الكويتيون بعد عودتهم الى بلادهم. تبقى الاشارة الى ان وجه التشابه الرئيسي بين التجربتين يكمن في الأشكال الاكلينيكية المزمنة للصدمة . وهي اشكال متطابقة في كلتا التجربتين. حيث تشير الدراسات والملاحظات العيادية الى ارتفاع ملحوظ في نسب اصابات الاشكال الصدمية المزمنة وخصوصا: أ - عصاب الوساوس المرضية Hypochondria. ب - الامراض السيكوسوماتية على انواعها (امراض الشدائد). ج - الامراض النادرة او ما يسمى بأمراض الاجهزة. وهذه الاشكال تقتضي مسحا احصائيا دقيقا ومقارنة بمعطيات ما قبل الكارثة، لما لهذه الاحصاءات من اهمية في تحديد الخطوات الوقائية ورسم السياسات الصحية في كلا البلدين. التجربة الكويتية كان لمكتب الانماء الاجتماعي دوره الفاعل في دراسة الكارثة الكويتية وانعكاساتها ومتابعتها طويلة الآمد. ولقد ساهم في نضج هذه التجربة مجموعة النشاطات العلمية (بحوث ميدانية وتدريبات نظرية ومؤتمرات محلية ومشاركة في مؤتمرات ودورات تدريبية في الخارج). وكان يشرف رئيس مجلس امناء المكتب.أ.د. بشير صالح الرشيدي يشرف على هذه النشاطات ويوجهها. من هنا نجد ان اعمال البروفسور الرشيدي تلخص هذه التجربة وتعكسها بأمانة لذلك فإننا سنعتمد في تحليلنا على اعماله وخصوصاً كتاب له بعنوان: «العرب وسيكولوجية المجتمع». التجربة اللبنانية مركز الدراسات النفسية والنفسية - الجسدية كل صاحب اليد الطولي بالنسبة للدراسات النفسية المتعلقة بالحرب اللبنانية، بل ان المركز قام بتقديم المراجع العربية الاولى في مجال الصدمة. فقد نشر المرجع الاول في العام 1985 واتبعه بالثاني في العام 1991 وبينها مشاركات في مؤتمرات محلية وعربية وعالمية وبحوث منشورة في مجلسة المركز «الثقافة النفسية المتخصصة». وعلى غرار البروفسور الرشيدي فإن البروفسور محمد احمد النابلسي هو محور نشاطات المركز وموجهها. لذلك فاننا سنعتمد اعماله في تحليلنا للتجربة اللبنانية. تكامل التجربتين ان قراءة التحليل الرجعي Meta Analysis» للتجربتين تبين لنا ان التجربتان تكملان بعضهما وتتكاملان لتقدما ارهاصا اوليا لاستراتيجية عربية لمواجهة الكوارث وصدمات الحروب بصورة خاصة. اذ يعتمد الدكتور الرشيدي على نظرية العلاج الواقعي (جلاسر) وعلى الاسلوب الاميركي في قياس الصدمات وهو قطع شوطا كبيرا في هذا المجال، حتى توصل الى تكوين فريق عمل متجانس تمكن من تدريب اختصاصيين في البلدان المتعرضة للكوارث. في حين يركز الدكتور النابلسي على النمط الاوروبي في دراسة الكوارث. فيوجه عنايته لدراسة اثر شدائد الكارثة في احداث الاصابات السيكوسوماتية. وهذا ما يدعوه للتشديد على ضرورة دراسات المتابعة طويلة الامد لهذه الحالات. وهكذا فإن الجمع بين مقاييس الصدمة الاميركية وبين تطبيقات الاختبارات الاسقاطية على المصدومين يمكنه ان يكون مؤسسا لاستراتيجية عربية خاصة في التشخيص والعلاج واساليب التدخل في الازمات الناجمة عن اوضاع كارثية.
د. عبد الفتاح دويدار د. حسن الصديق استاذ علم النفس – جامعة الامارات استاذ متفرغ في قسم علم النفس – الجامعة اللبنانية
الفصل الاول قراءة تحليلية في النموذجين اللبناني والكويتي 1- قراءة تحليلية لاعمال الدكتور الرشيدي عاد الدكتور بشير صالح الرشيدي الى الكويت في العام 1982 حاملا شهادة دكتوراه في علم النفس من جامعة اوهايو في الولايات المتحدة. وفي العام ذاته اسس الدكتور الرشيدي المركز الاول للارشاد النفسي في العالم العربي. وكان لعمله في هذا المركز اكبر الاثر في التعرف على دقائق ونقاط الضعف والقوة، في ديناميات علاقة الفرد بالمجتمع. وبذلك كان الاقدر على جلاء وتحديد التغيرات الطارئة على هذه الديناميات بسبب حرب الخليج الثانية. وهو قام بتأسيس مكتب الانماء الاجتماعية بتكليف من امير دولة الكويت. وذلك في نوفمبر العام 1992. ويختص هذا المكتب برصد وتتبع الاثار النفسية والاجتماعية والتربوية التي خلفتها الحرب على الكويتين. شغل الدكتور الرشيدي منصب رئيس مجلس امناء المكتب الذي بات يضمن نخبة من الاختصاصيين ذوي المستوى العالمي في مجال ضغوط ما بعد الصدمة. وتراكمت لديهم خبرات عربية وعالمية عبر النشاطات التي خططها الدكتور الرشيدي وسهر على تنفيذها، وتضم هذه النشاطات الى المؤتمر السنوي سلسلة من الدورات التدريبية التي يشارك فيها نخبة من الاختصاصيين العرب والاجانب في مجال الصدمة. كما قام المكتب بنشر مجموعة من المراجع الاكاديمية في المجال منها عشرة مجلدات يضم كلا منها مجموعة الاعمال والبحوث المقدمة في كل سنة خلال مؤتمر المكتب. بالاضافة الى قائمة طوية من المراجع في المجال. لقد تفاعل د. الرشيدي تفاعلا ايجابيا وعايش عن قرب معاناة مواطنيه خلال الحرب. ونتيجة لهذه المعايشة العميقة بعشرات البحوث العلمية الموجهة لدراسة الاثار النفسية والاجتماعية والتربوية للحرب واتصفت بحوثه بالاكاديمية الرزينة وبالعمق المقترن بنظرة شمولية جامعة. مستندا في ذلك الى تكوينه الاكاديمي الراسخ ومنهجيته الصارمة والى خبرته في دينامية العلاقات في المجتمع الكويتي. وهي الخبرة التي اكتسبها عبر عمله في مركز الارشاد النفسي الذي كان قد اسسه قبل ثماني سنوات من الحرب واكتسب من خلاله نظرة تحليلية - كيفية للواقع النفسي الكويتي. هذا ما جعله صاحب قدرة مميزة على ملاحظة ورصد التغيرات الصدمية لهذا الواقع. لذلك استقبلت دراسات الرشيدي وبحوثه بحرارة من قبل المهتمين ببحوث الصدمة والعاملين في مجالها. وكذلك استقبلتهما الدوريات الاكاديمية المتخصصة. ذلك ان بحوث الرشيدي تتصف بالعمق والتركيز وشمول التناول، بالاستناد الى منهجية علمية معاصرة للمستجدات في الميدان. تضاف الى ذلك ثقافته الواسعة وتجاربه الحياتية المعيشة اتي تتصف بغناها وتنوعها. وهذا ما يجعل دوائر اهتمامه تتسع بما ينعكس على بحوثه في مجال الصدمة بتناول اثارها على صعد مختلفة، بحيث تتداخل في هذه البحوث اختصاصات الانتروبولوجيا والسوسيولوجيا والتربية الى جانب السيكولوجيا. هذا بالاضافة الى عشرات البحوث الاخرى المتعلقة بالصدمة عداك عن اشرافه على عدد كبير من هذه البحوث. حتى وصل فريق مكتب الانماء الاجتماعي على يديه الى العالمية. وبات هذا الفريق مطلوبا لتأهيل الاختصاصيين وتدريبهم على التعامل مع المصدومين وارشادهم وعلاجهم. المرجع المميز وهذا ويبقى كتاب «الحرب وسيكولوجية المجتمع» يبقى المرجع المميز والاثر العلمي الاهم في نتاج الرشيدي، هو الذي قاد خطواته الى العالمية حيث رئس فرق تدريب كويتية قامت بتأهيل المتخصصين في البوسنة وبنغلادش. مع الاشارة الى ان عالمية الرشيدي لا تنحصر في مجال الصدمة بل تتعداها الى مجالات اخصائية اخرى لعل اهمها واعزها عليه هو مجال «العلاج الواقعي» حيث قام بادخال هذه النظرية الى المكتبة العربية عبر ترجمات ومؤلفات عديدة، كما قام بادخالها الى العيادة العربية عبر ممارستها لها وتدريسها وعقد الدورات التدريبية حولها. وهو قد اضاف الكثير الى هذه النظرية عندما طوعها كي تلائم البيئة المحلية وعندما عمل على تطبيقها في علاج المصدومين، مستفيدا من خبرته في المجالين معا. اضافة لاختصاصه في مجالات الارشاد النفسي والاسري وكذلك في ادارة منظمات ومؤسسات الخدمة النفسية. ولعل التحليل الرجعي لاعمال الرشيدي لا يكتمل دون الاحاطة بالجوانب الانسانية لتجربته والى خبراته المعيشية التي يضيق بنا المجال هنا لذكرها. الامر الذي يدفعنا لاعتماد كتابه «الحرب وسيكولوجية المجتمع» اداة لهذا التحليل. حيث يضم الكتاب منتخبات من دراسات الرشيدي وبحوثه في مجال الصدمة وهذه المنتخبات هي: 1 - الحرب النفسية ضد الكويتيين. 2 - مؤثرات الاحباط واساليب التكيف في المجتمع الكويتي اثناء العدوان. 3 - دوافع السلوك الاجتماعي للكويتيين اثناء العدوان. 4 - سيكولوجية جماعات العمل الكويتية اثناء العدوان. 5 - خصائص التكامل النفسي والاجتماعي لكويتيين اثناء العدوان. 6 - الخريطة النفسية والاجتماعية للشعب الكويتي اثناء العدوان. 7 - الاعراض الاضطرابية المصاحبة لمشكلة الطلاق في الاسرة الكويتية بعد صدمة الحرب. 8 - اثر العدوان وصدمة الحرب على بعض جوانب الانتماء. 9 - الامن الوطني الكويتي من منظور تربوي.
الاضطرابات النفسية واذا اردنا فهما اعمق لاهمية هذه البحوث، والبحوث التالية لها، فان علينا ان نذكر بأنه من غير الممكن دراسة الاضطرابات النفسية بصورة تجريبية. لذلك فان الوسيلة الوحيدة للحصول على معطيات جديدة حول هذه الاضطرابات هي استغلال التجارب العفوية في معايشة هذه الاضطرابات. لقد استغل الرشيدي ردود الفعل العفوية لمواطنيه اثناء العدوان افضل استغلال. وسخرنا بشكل علمي ليخلص منها بمعاينات ومشاهدات تتيح له تسجيل معطيات جديدة وغير مسبوقة حولها. واذا اعدنا لكتاب « الحرب وسيكولوجية المجتمعن نجد ان المؤلف يهدي كتابه الى رفاقه في الاسر. وهذا يعني ان الدكتور الرشيدي تعرض شخصيا لتجربة الاسر وان كان لم ينشر بحوثا حولها على حد علمنا. لكن هذه التجربة لا بد ان تضيف الى دراسات صاحبها ابعادا جديدة. حيث تخيلت هذه الابعد عن طريق مقارنتها بتجربة المحلل الاميركي برونو دي بيتلهام الذي كتب عن تجربته في الاسر بصورة ادبية. وتحدث في حينه عن مواجهة الاسر بطريقة خاصة به اسماها «طريقة توقع الاسوأ» وعندما لا يحدث الاسوأ فانك تجد بعض الفرح والامل في قلب التجاري الحزينة. والواقع انك لا تستطيع الفصل بين تجربة الرشيدي في مجال الصدمة، وبين تجاربه في العلاج والارشاد النفسي وادارة الخدمات النفسية فهذه التجارب متمازجة ومتقاطعة. وحسبنا ان نذكر منها قيام الرشيدي بإدخال العلاج الواقعي الى المكتبة والعيادة العربية واستخدامه في عمله العيادي ليصبح الرشيدي الرائد العربي لهذه المدرسة. واخيرا نذكر تطويره لبرنامج، يستند الى نظرية الاختيار، للتعامل مع الذات. وهو ما عرضه في احدث كتبه بعنوان «التعامل مع الذات». في النهاية فان تجرية الرشيدي في المجال هي تجربة رائدة وغنية. كما انها مستوعبة لكافة التطورات الحديثة. وهي تؤسس بحق لاستراتيجية عربية للتعامل مع الصدمات.
2 - قراءة تحليلية - رجعية في بحوث الكوارث النفسية: اعمال الدكتور النابلسي في لبنان نموذجاً تنطلق اهمية تجربة الدكتور محمد احمد النابلسي من واقع جمعه بين العمل العيادي والبحث والتدريس الجامعي والتأليف. وهو الجمع الذي اعطى لاعماله طابع الشمولية والالتصاق بالحاجات المباشرة للجمهور وللمجتمع بصورة عامة مما ادى الى ارتفاع عامل اثر. اعماله واعطاها صفة السبق حتى انها استخدمت كمراجع اكاديمية في معظم البحوث والدراسات العربية في مجال الحروب والكوارث. وفي ما يلي نقدم عرضا تحليلياً - رجعيا Meta - Analysisلاعماله في هذا الميدان. 1 - الامراض النفسية وعلاجها - دراسة في مجتمع الحرب اللبنانية. وهو الكتاب الاول للمؤلف صدرت طبعته الاولى عام 1985 عن منشورات الجامعة. ثم طبعاته الثانية 1987 والثالثة سنة 2000 هن مركز الدراسات النفسية (م.د.ن.). والكتاب هو اساساً دراسة عن سيكوسوماتيك الحرب عبر مقارنة تجمع بين السيكولوجيا الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع. منذ صدوره العام 1985 اعتمد الكتاب مرجعا للتدريس الجامعي في معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية ثم في كلية الآداب وذلك لغاية العام 1994. وهو استخدم كمرجع اساسي لغالبية الرسائل الجامعية المعدة في لبنان والخارج حول الحرب اللبنانية. وكذلك في البحوث والكتب المؤلفة حول هذه الحرب. والواقع ان المقارنة بين طروحات الكتاب وتصوراته المستقبلية وبين اتفاق الطائف تجعلنا نستنتج نوعا من التطابق بينهما فقد سبق المؤلف دعاة الطائف بطرحه لمبدأ (عفى الله عما مضى) منطلقا للسلم الاهلي كما دعى النابلسي الى ضم زعماء المليشيات للحكومة على ان تكون ممارستهم في اطارها من نوع السيكودراما السياسية. ومن ينجح من هؤلاء في الشفاء يدخل في الحياة العامة. اما من يفشل منهم فيكون عرضة للعقاب وفي حينه رأى المؤلف ضرورة تأمين الحماية لمعالجي هؤلاء الميليشياويين. منبهاً الى احتمالات ايذاء المتعالجين للمعالج أي الى اغتيال الرموز الوطنية التي لم تشارك في القتال وهذا ما حدث لاحقا وتكراراً. ويبدو النابلسي رافضا او متجاهلا للحل البراغماتي الذي اعتمده الطائف بقيامه بضم اعضاء الميليشيات الى الجيش اللبناني. وبالاضافة الى جملة هذه الطروحات، وتضمن الكتاب التحذيرات التالية: 1 - تأمين عودة تدريجية آمنة للقانون، حتى لا تتفجر لدى المواطن عقدة الخوف من القانون بحيث يتوق الى فوضى غيابه ولكن بدون تهديدات هذا الغياب أي انه يتوق الى الفترات الباردة في الحرب الاهلية. 2 - تأمين العلاج الاقتصادي انطلاقا من اعتبار المؤلف ان الوفرة الاقتصادية في العلاج الوحيد الناجح للفصام الناجم عن الحروب الاهلية. 3 - عدم اهمال المشاكل الصحية ذات العلاقة بشدائد الحرب وتجاهل دور هذه الشدائد في احداثها. 4 - التصدي لحل المشاكل الاجتماعية الناجمة عن الحرب ولكن بعد تصنيفها في جدول اولويات محدد وصارم. 5 - تشجيع دراسات المتابعة طويلة الامد للحالات الصدمية حتى لا تتحول الى مزمنة فتزيد من اعباء الرعاية الصحية. وهكذا فاننا لا نبالغ بالقول ان هذا الكتاب كان قراءة مستقبلية تمكنت من استشراف اتفاق الطائف ومن تحديد نقاط ضعفة قبل توقيعه بست سنوات كاملة. ولم يهمل النابلسي الدراسات الميدانية التي اعتمد فيها شكل الدراسات الوبائية (الجائحية) فعرب اختبار وودورث ماتيوس. وعدله ثم طبقه على عينة من اللبنانيين حيث بينت نتائج هذا التطبيق وجود معدلات عالية من الاكتئاب ومظاهر الصدمة والشكاوى السيكوسوماتية وايضا الامراض السيكوسوماتية. لذلك نقول بان عامل اثر الكتاب وهيمنته على الدراسات المتعلقة بالحرب كانتا نتيجة لعمق وشمولية رؤى المؤلف وخبراته العلمية في العيادة اللبنانية. حيث نلاحظ من خلال قراءتنا للكتاب ان المؤلف قد عاين عشرات وربما مئات الحالات العيادية حول الاضطرابات النفسية والجسدية والاجتماعية التي يتصدى لها. 2 - الصدمة النفسية - علم نفس الحروب والكوارث. وهو ثاني الكتب التي نشرها النابلسي في المجال وهو كان محررا للكتاب ومساهما في تأليفه. ذلك ان معظم محتويات الكتاب كانت ترجمة لعدد خصصته مجلسة «فصول في الطب النفسي الاسكندنافي». لموضوع سيكولوجية الكوارث ويضم الكتاب ترجمة كاملة لهذا العدد مضافا اليها مساهمة النابلسي بتجارب من صميم الحرب اللبنانية. وهكذا كان كتابا النابلسي المرجعان العربيان الوحيدان في المكتبة العربية عندما بدأت الدراسات حول الاثار النفسية لحرب اليمن ولحرب الخليج الثانية فاذا ما راجعنا اوائل الابحاث المنشورة في تلك الفقرة لوجدنا هيمنة اعمال النابلسي على المراجع العربية لهذه الابحاث. 3 - سلسلة الامراض السيكوسوماتية وضمت الاجزاء التالية: أ - الانهيار العصبي وب - امراض القلب النفسية وج - الربو الحساسية وعلاجها النفسي. ود - السمنة وعلاجها النفسي. وهـ - الهزال وعلاجه النفسي. و- العقم وعلاجه النفسي. وز- مبادئ السيكوسوماتيك وتصنيفاته. وح - سيكوماتيك الهستيريا والوساوس المرضية. وفي هذه السلسلة يبين المؤلف علاقة الشدائد في تشجيع ظهور الامراض والاعطال الجسدية او معاودتها. لكن موضوع سيكوسوماتيك الحروب والكوارث لا يلاقي لغاية اليوم الاهتمام الكافي من الباحثين ا |