مقابلة الشراع -

   
     

 

الشراع تقابل مؤلف كتاب الحرب النفسية في العراق 2 يوليو 2003
قابله الشاعر لامع الحر

بوش شخصية تابعة وخوافة
صدام  أدمن الشعور باللاقابلية للإنكسار وحتى للموت
النصر لم يعد للأقوى بل لمن يستطيع ارباك عدوه إرباكاً أكبر

 .... الدكتور محمد النابلسي من أقرب المثقفين الى نفسي. وربما الأحب وذلك لخلقه ودماثته وإتساع معرفته وإطلاعه. على الرغم من كونه متخصصاً في الطب النفسي إلا أن ثقافته متشعبة وتمتد الى غير مجال. وكأنه معني بكل شاردة و واردة من حوله.
 وهو الى ذلك كله من أنشط المثقفين الذين عرفتهم. فهنا قد تجد له مقالاً في هذه الصحيفة. وهنالك قد تستمتع بحوار معه في هذي الفضائية أو تلك. إنه دائم الحركة لأنه دائم الإنتاج الذي يولد الفعل المتنامي بإستمرار...
حول كتابه الصادر عن مركز الدراسات النفسية بعنوان " الحرب النفسية في العراق - الجوانب النفسية للحرب الاميركية على العراق ". كان للشراع معه حوار إستهللناه بالسؤال التالي:

  • ما هي تقنيات الحرب النفسية ؟. وهل شهدت الحرب العراقية تطويراً لهذه التقنيات؟.

-    تدخل الحرب النفسية في إطار الطب النفسي العسكري الذي يسخر كل تقنيات الاختصاص  للخدمة العسكرية سواء في زمن الحرب او السلم. حيث تتوزع مسؤوليات الاختصاص وتتنوع باختلاف الحاجات. وتشكل ظروف الحرب ميداناً مميزاً للإختصاص إذ تتحول مسؤوليته الى الاشراف على الحرب النفسية. التي تتمحور حول وقاية الداخل من الارباك وتحصينه في وجه التجسس. كما المساعدة في عمليات التجسس المضاد وعمليات إرباك الخصم. وهي تتضمن كل وجوه النشاط الانساني والمعلوماتي. ومنها الشائعات والانباء والاعلام وتصنيع المعلومات وإعادة تصنيعها. وبالعودة الى حرب العراق يمكن الحديث عن تطويرات كبيرة في مجال الحرب النفسية. حيث عمدت المختبرات الاعلامية الاميركية والعراقية الى مراجعة وتنقيح أدوات الحرب النفسية المستخدمة في حرب العراق الأولى ( 1991 ).

  • هل تقتصر مهمات الطب النفسي العسكري على الناحية الوقائية أم هي تتطرق الى علاجات؟.

-    أحداث الحرب ومخاطرها تعامل على أنها تهديدات مباشرة للحياة. وهي بالتالي صدمات نفسية تحتاج للعلاج. وهنا يجب التفريق بين صدمات المقاتلين والمدنيين. حيث يهدف علاج المقاتلين الى إعادة تأهيلهم لإعادتهم الى الجبهات. في حين يهدف علاج المدنيين الى معالجة القلق المرافق للصدمة وإعادة الإطمئنان للمصدوم.

  • ماذا عن الشائعات التي رافقت الحرب العراقية؟.

  - إحدى أهم شائعات هذه الحرب أطلق الرئيس بوش ومعاونيه جملة تصريحات تؤكد تأخير الهجوم على بغداد لعدة أسابيع بانتظار وصول قوات دعم إضافية ثم بدأ الهجوم على المطار بعد يومين على إطلاق هذه التصريحات. وفي تحليل الشائعة نستعرض أولا الاحتمالات المعروفة والمنطقية لمثل هذه الشائعة فنجد أن الاحتمال الأول  هو محاولة غش العدو لمفاجأته، وهو احتمال مستبعد لأن الإنزالات الجوية الأميركية كانت توقظ العراقيين وتمنع مفاجأتهم كونهم يتوقعون  الهجمات من كل نوع أي مكان، وأي وقت وأما الاحتمال الثاني فهو الحاجة الأميركية للوقت من أجل تحضير أجواء دخولهم بغداد . وربما هم تمكنوا من تهيئة ذلك في وقت سريع لم يتصوروه . ويبقى الاحتمال الثالث، وهو إعطاء إشارة على إمكانية التحرك ضد النظام أو تحريض التمرد عليه قبل وصول الدعم. فإذا ما حدث الهجوم المفاجئ أمكن لهذا التمرد أن ينفجر بصورة فوضى عارمة. هي فوضى الانسحاب العسكري العراقي الغامض والفوضى التي رافقت دخول الاميركيين الى بغداد.

  • ما هي مسؤوليات الطب النفسي في الحروب عامة؟.

-    يمكن تقسيم هذه المسؤوليات إنطلاقاً من تصنيف زمني يقسم هذه المسؤوليات على مراحل: ما قبل الحرب ( الإستعداد للحرب) وخلال الحرب وما بعد الحرب. ولكل من هذه المراحل واجباتها ومسؤولياتها على صعيد الطب النفسي. الذي يشارك بإختصار في إنتقاء الشخصيات التي تملك استعدادات للعمل في مجال الإنقاذ والإسعاف والإستخبارات والقيادة والتدخل في الأزمات وتقنين انفعالات الجمهور وتوجيهها في الإتجاهات السليمة...الخ.

  • كيف تحلل شخصية بوش؟.

-    هو شخصية تابعة وشديدة التأثر بالغير. وهي تجد دفاعها عن نفسها بإنقلابات دورية على بعض المقربين منها. وهو لا يحتمل الاحباطات ويهرب منها الى الكحول أو المخدرات أو الدين أو غيرها... كما أنها شخصية خوافية سريعة الإنفعال وعاجزة عن التحكم بردود فعلها. ومن هنا تسجيلنا لبعض الإنفجارات الإنفعالية العلنية كمثل نوبة السباب التي قذفها بوش لمراسل نيويورك تايمز الذي احرجه ( لم ينتبه بوش الى ان الميكروفون لا يزال يعمل فسمع الجمهور سبابه). وبالعودة الى التصنيف النفسي للرؤساء الاميركيين ينتمي بوش الى نمط الرؤساء الفاعل- السلبي. أي انه من نوع جونسون و ولسون ونيكسون. وهذا النوع لا يكون عادة محبوباً من قبل الجمهور. وننصح هنا بالعودة الى كتاب مايكل مور " الرجال البيض الاغبياء- الأميركيون يكرهون جورج بوش".

  • كيف تحلل شخصية صدام؟.

-    تشترك التحليلات المنشورة حول شخصية صدام في كونها لا تراعي التطور الدينامي لهذه الشخصية. وهو إهمال ذريع في هذه الحالة نظراً للتغيرات الدرامية في حياة صدام.إذ إنتقل من وضعية اليتيم الفقير الى وضعية الحاكم المطلق. وهو مر بتجارب مفصلية وحروب كبرى. بحيث يمكننا التشكيك بكل تحليل لا يراعي هذه المحطات في حياة الشخصية. فصدام قبل انضمامه للحزب وقبل انقلاب 1968 وقبل توليه السلطة وقبل حرب ايران وقبل حرب الكويت وقبل الحرب الاخيرة هو غير صدام بعد هذه الأحداث. والواقع أننا ركزنا على الرؤية الدينامية التحليلية لهذه الشخصية في كتابنا.

  • بعض التحليلات أكدت أن صدام قد يلجأ للإنتحار ولا يستسلم فهل تؤيد هذا التحليل؟

-    إن تحليلي يعارض هذه الرؤية فقد إعتادت هذه الشخصية على مواجهة التهديدات والنجاة منها. حتى أدمنت الشعور باللاقابلية للإنكسار وحتى للموت. وهو ما نسميه في الاختصاص ب " التفاؤلية الدفاعية" وهي تعني شعوراً مبالغاً لدى الشخص بأن الأمور السيئة تصيب الآخرين و لا تصيبه هو. لذلك فهو يؤمن بحصانته الذاتية ضد الأمور السيئة. وهنا أذكر بمحاكمة تشاوشيسكو الذي كان شديد التماسك وعاجزاً عن تعقيل حقيقة ما يجري. مما جعله مؤمناً بالنجاة ومن هنا لا مبالاته الظاهرة أثناء المحاكمة.

  • إعتبرت أن كتابك هو مقدمة لقراءات نفسية لاحقة فهل يعني ذلك محدودية الفائدة من هذه الدراسة؟.

-    قد تكون الفائدة محدودة في هذا الكتاب ولذلك عدة إعتبارات. منها أنني لم أنشر كل القراءات النفسية السياسية المتوافرة لدي بإعتبار أن المرحلة لاتسمح بذلك. كم يمكن لقراءة هذه الحرب أن تتعمق بالمعلومات المفترض توافرها في الفترة القريبة القادمة. عداك عن كون مساحة الكتاب لا تتسع للمناقشة التفصيلية لمواضيعه. مثل تحليل شخصيات بوش وصدام وبعض شخصيات الادارة الأميركية.

  • نفهم من ذلك أنك حجبت بعض الجوانب الأساسية في التحليل النفسي لهذه الحرب؟.

-    لقد جهدت للعمل على إثارة كل الأسئلة المساعدة على فهم الجوانب الموضوعية لهذه الحرب. لكنني تركت للقاريء حق استنتاج الأجوبة من سياق المعلومات المعروضة في الكتاب. وربما تمكن القاريء من إيجاد معلومات إضافية. المسألأة هي أنني إكتفيت بإثارة كل الأسئلة وإختصرت في الأجوبة. وذلك لا يعود الى عدم ملكيتي لرؤية خاصة أو لخوف من عرض هذه الرؤية. بل كان ذلك إحتراماً لحرية القاريء ولسيول الإنفعالات المرافقة لهذه الحرب ولمحاولات إثارة فتنة عراقية.

  • لكنك طرحت قائمة من الآراء غير الشعبية ومنها إعتبارك أن الحرب لم تكن عسكرية؟.

-    إن تعقيل العراقيين للتحول الحاصل في بلادهم وتقويمهم لخسائرهم في هذه الحرب يحتاج الى مدة تقاس بالشهور. وعليه فإن كل الآراء المطروحة هي من غير صدى شعبي. فهنالك شيزوفرانيا عراقية تتوزع بين ازالة النظام وبين ازالة الاحتلال. أما بالنسبة للحرب العسكرية فإن المنطق يقودنا للقول بأن الجيش العراقي لم يقاتل وذلك لأسباب وظروف ستعلن آجلاً أم لاحقاً.

  • تقرر في الكتاب أن هذه الحرب هي أولى الحروب الإفتراضية فما هي هذه الحروب؟.

- يعتبر روزنفلت واركيلا ( واضعا نظرية الحرب الافتراضية ) أن عصر الحرب العسكرية التقليدية قد ولى فلم يعد النصر للأقوى بل أصبح النصر لمن يستطيع أن يربك عدوه إرباكا أكبر. وحوادث 11 أيلول لم تتحول إلى الكارثة إلا بسبب الإرباك الذي سببته للحكومة الفيدرالية وهو إرباك مستمر بالمناسبة حتى الآن . فحوادث الثلاثاء بحد ذاتها لا تشكل خسارة كبرى. إذ تخسر الولايات المتحدة ألف شخص أسبوعيا في حوادث السير. وهي تخسر مثلهم في حوادث أخرى وبمعنى آخر فإن ضحيا11 أيلول كانوا من حيث عددهم مساويين لحوادث أسبوع عادي من حياة الولايات المتحدة. هذا من حيث الحجم الموضوعي للحوادث، لكن أصداءها المعنوية جعلتها كارثة عبر الإرباك والمفاجأة. وبالمقارنة فإن الأصداء المعنوية للحرب العراقية بدأت مع معركة المطار. التي أربكت صفوف العراقيين وأطلقت كل الشائعات المربكة التي فتحت بغداد بدون معركة.