مركز الدراسات النفسية والنفسية الجسدية

علم النفس الحضاري
 

الإيمان الشافي  

 

الدين - عودة المكبوت 

الإيمان والصحة 

تسمم الله أم علاجه ؟

"  العصاب ذو المنشأ الديني " - مفهوم يريح  

لا يستطيع الإيمان أن يعوض عن العلاج النفسي   

قلما توجد علاقة بين الإيمان والحظ

" الدين كراكيب أطفال" 

الدين : إكسير الشباب لكبار السن؟

الألمان الملحدون 

 

لزمن طويل قلل علم النفس والطب من أهمية الكيفية التي يمكن فيها للإيمان بالله أو  بقوة عليا أو بمعنى ما للحياة أن ينمي الصحة . فحتى الآن اعتبر المتدينين بأنهم أقرب " للعصابيين" أو " للمغتربين عن الواقع" ، والآن تبرهن دراسات حديثة أن من يستطيع الإيمان يعيش أكثر صحة.


section1

الدين - عودة المكبوت ؟

ترجمة الدكتور سامر جميل رضوان

ظل

 الدين بالنسبة للعلاج النفسي لفترة طويلة يحمل معنى الاعتقاد الخرافي. وبالنسبة لغالبية النفسانيين كان الدين يعني النكوص إلى مرحلة أكثر بدائية من الوعي  من أجل عدم مواجهة واقع الحياة. ولكن غالباً ما كان ثمن العزاء  بالدين الخوف ومشاعر الذنب . الدين كان بالنسبة لعلم النفس ذلك  الجد المجنون الذي نفاه المرء إلى سقيفة المنزل، والذي    ما زال  على الرغم من ذلك  يتجول كالشبح في المنزل مثرثراً بالسخافات ولا يريد الموت ببساطة.

سيجموند فرويد اعتبر نفسه عالماً طبيعياً بالدرجة الأولى ولم يهتم  بالروحانيات. وبدلاً من العزاء الذي بحث عنه الناس في " الشعور العظيم للإيمان " استخدم التحليل والتبصر  والتنفيس. وطبقاً لذلك كانت مرارته  " بالخائن " المؤَسطِر  mythologize كارل غوستاف يونغ كبيرة.

ولكن حتى لو تصرف التحليل النفسي بطريقة تنويرية وعلمية هكذا، أليس هو نفسه  عبارة عن منظومة اعتقاد شبه دينية قائمة على الأساطير ، تقتضي الأورثودوكسي والاستسلام الأعمى؟

يرى ناقد الطب النفسي توماس تساز Thomas Szasz :"  أن كل علاج نفسي يهتم بالكيفية  التي على الإنسان أن يعيش من خلالها، وكيفية تنظيمه لحياته الأسرية والجنسية  وبمعنى الحياة  - وكل هذه المواضيع هي في النهاية مواضيع يعالجها الدين.  ففرويد لم  يكن إلاّ  حاخاماً مُقَنَّعَاً "

ولكن على ما يبدو فإن الدين الدنيوي البديل - علم النفس - لا يستطيع مع كل متغيراته إشباع بعض الحاجات.  فالبحث في الذات لا يسد  ثغرة  المعنى و الفراغ الداخلي،  الذي يعذب بشر هذا العصر.  ويجد المعالجون أنفسهم في مواجهة إقبال متبدل، وما هو مستبعد يعود بطرق كثيرة إلى علم النفس من جديد: فالوسائط والروحانيات لم تعد منذ أمد مواضيع محرمة أبدا. ومن خلال دراسات جائحية تتم دراسة تأثير الصلوات. وقد تغضب  نجاحات الكحوليين المغفلينAnonym   الكثير  من معالجي الإدمان العلميين، ولكنها لايمكن تجاهلها. إنها تقوم ضمن ما تقوم عليه على الإقرار بوجود " قوة عليا ".

وتبدو بعض أشكال الإيمان بأنها أقرب " للمنشأ الشافي " منها لأن تكون مسببة للعصاب، وربما يعود ذلك لأن المؤمنين يشعرون بما أسماه     باحث   الصحة         أرون أنتونوفسكي  Aaron      Antonovsky        " الشعور بالتماسك " :  إن من يشعر بأن حياته غنية بالمعنى، بأنه جزء من كل أكبر يكون أكثر مقاومة  من الناحية النفسية والجسدية. وتؤيد دراسات حديثة الفرضية القائلة أن الإيمان التديني غالباً ما يؤثر مثل البلاسيبوPlacebo . وعلى ما يبدو فإن طور من التسامح قد بدأ في علم النفس: فمن يستطيع الإيمان ، فعليه أن يقوم بذلك بشدة، فهو يساعد. وما يعزي الملحدين والمؤمنين سواء هو أن الإيمان لا يمكن وصفه بوصفة طبية على أية حال. فالله لا يوجد بوصفة. 

 


section2

الإيمان والصحة

 

ترجمة الدكتور سامر جميل رضوان

بقلم هايكو إيرنست رئيس تحرير علم النفس اليوم الألمانية

 

اكتشف

 علماء النفس أن الدين  عامل مساعد للصحة النفسية والجسدية بعد أن تجاهلوا وقللوا من قيمة هذا العامل لفترة طويلة. فقد أدركوا كارهين وبحذر إلى حد ما كيف تبدَّى من خلال عدد متزايد من الدراسات وجود تأثير وثيق وإيجابي متبادل  بين  الإيمان \ التدين والحالة الصحية : إن من يؤمن بإله خيِّر أو بأية قوة سامية أو حتى  " بمجرد " معنى أعمق للحياة فإنه :

n يتغلب على أزمات الحياة والمشقة ( الإرهاق ) والصراعات النفسية الاجتماعية بسهولة أكبر: فالإيمان يسهل وجود " استراتيجيات " تأقلم "Coping -Strategies  فاعلة ،

n وبالتالي فهو أقل تعرضاً للأمراض النفسية والجسدية: فالإيمان يؤثر وقائياً،

n يبدي إذا ما أصيب بالمرض ثقة أكبر بسيرورة الشفاء وينمي هذه السيرورة : فالإيمان يسهل حصول الشفاء،

n يستهلك الكحول والسجائر والعقاقير الأخرى   أقل من غير المؤمنين وبالتالي فهو أقل تعرضاً لخطر الإدمان أو  للعواقب السلبية لهذا الاستهلاك:  فالإيمان يؤثر على أسلوب الحياة على شكل عادات حياتية أكثر صحة.

n يستطيع تقبل الموت بشكل أسهل ويعيش المرحلة الأخيرة من الحياة  أقل خوفاً وشكاً.

وقد أمكن إثبات أنه  حتى غير المؤمنين يستطيعون الاستفادة من طاقة الممارسات الدينية الروحية من خلال استعانتهم -على شكل إعارة  إن صح التعبير-  بالتقنيات المختلفة للصلاة والاستغراق والتأمل . ويصف هيربيرت بينسون Herbert Benson من هاوارد المتخصص بالقلب ومكتشف " منعكس الاسترخاء "  في كتابه  الجديد  " الشفاء بالإيمان " الكيفية التي يمكن فيها أن ينشأ " الشعور الروحي " بالطاقة والأمان والارتباط مع  قوة أو طاقة " عليا "  حتى لدى غير المؤمنين. إن  التكرار المركز لصلاة ما يؤدي إلى استرخاء جسدي عميق ،  وفراغ داخلي منعش  وتحرر للنفس من  زخم الأفكار والمخاوف والمشاغل اليومية.

فالعلاقة بين القناعات الدينية  والصحة  الجسدية والنفسية تتجلى باطراد وبشكل أكثر تفصيلاً. وعليه فقد قوم النفساني العيادي ديفيد لارسون David Larson   من المعهد القومي لأبحاث رعاية الصحة National Institute for Healthcare Research    ( روكفيلي ، ماريلاند الولايات المتحدة الأمريكية Rockville, Maryland, USA  ) بصورة منهجية كل الدراسات التي نشرت  في أكبر مجلتين متخصصتين في الطب النفسي بين عامي 1978 و 1989 فيما يتعلق بالعلاقات بين الإيمان والصحة النفسية وتوصل إلى  النتيجة التالية : يؤثر التدين في 84% من الحالات بشكل إيجابي وفي 13% بشكل حيادي وفي 3% فقط ظهر أن التدين مضر صحياً. ويستهلك المؤمنون  العقاقير والكحول  أقل بكثير من غير المؤمنين، ويرتكبون الانتحار أقل ويملكون نسبة طلاق منخفضة - والأمر الذي قد يفاجئ - يمارسون جنساً أفضل.

وقد أجرى لارسون نفسه دراسة  في ولاية جورجيا الأمريكية ووجد فيها بأن المدخنين الذين يذهبون إلى الكنيسة بصورة منتظمة عانوا أربع مرات  أقل من ارتفاع ضغط الدم من المدخنين الذين لا يزورون الكنيسة. بل وأن ضغط دم  المدخنين الأتقياء كان في مستوى غير المدخنين من غير المؤمنين.

كما ودرس كينث بارغامينت Kenneth Pargament  أستاذ علم النفس في  جامعة المرج الأخضر الحكومية في أوهايو Bowling Green State University    الآثار الصحية للإيمان لدى مئات من المؤمنين من مختلف الاعتقادات  واستنتج أن بأنه لابد من التمييز بدقة كبيرة بأن التأثير الإيجابى أو الأقرب  للسلبي  للتدين يتعلق بشكل قاطع بنوع  الإيمان . فالناس الذين  يعيشون على رعب معاقبتهم من إله صارم على خطاياهم  والذين يعيشون هذه الصرامة  في طائفتهم الدينية أيضاً على شكل " جو انفعالي " يميلون للاكتئاب والقلق والاضطرابات النفسية الجسدية بشكل أشد من غير المؤمنين. وعلى العكس  ينمي الإيمان بإله خيَّر و رحيم يقدِّر الضعف الإنساني بتسامح  بالارتباط مع الاطمئنان الانفعالي ضمن مجموعة أو طائفة دينية الصحة النفسية والجسدية.

وأخيراً يميز هيربيرت بينسون بين شكلين مختلفين من الإيمان، الأول إيمان أقرب  للمتقبل السلبي والثاني المنمي الفاعل . إن من يستطيع أن " يستسلم ويضع  قدره  بكل ثقة بين يدي الله ( أو قوة عليا أخرى ) يستفيد من طاقة الإيمان . وتعبر دعوات  من نوع " مشيئتك يا رب " عن هذا النوع من المواقف. بالمقابل لا يبدي الإيمان  " الغرضي " الظاهري  أية آثار إيجابية على الصحة.

ويمكن تلخيص نتائج الأبحاث الحديثة حول التدين والصحة على الشكل التالي: من المحتمل جداً أن  يقوم  التأثير الطيب  للإيمان على التوليف بين  الدعم الاجتماعي ومعنى الحياة والشعور بالارتباط بقوة عليا  وممارسات الصلاة والتأمل  المخفضة للإرهاق.

فهل وصل علم النفس بهذا إلى نقطة تحول ؟ لقد كان علم النفس دائماً فخوراً كعلم بتقاليده الدنيوية وغير الدينية والملتزمة بالتنوير. وكما يصف  بيرنارد غروم  في مساهمته التالية فقد كان على الدوام  من ضمن هذه التقاليد  وجود شك  واضح بصورة خاصة  بكل أشكال التدين، هذا إذا لم تتم مرضنالتدين  أيضاً. فقد اعتبر  على أنه هروب واضح من الواقع  و ضيِّق الأفق . غير أن مسلمات علم النفس هذه لا يمكنها الاستمرار إلا بصعوبة. فهناك ارتباطات إيجابية لا تقدَّر بين أشكال محددة من التدين والصحة النفسية والجسدية.



section3

تسمم الله أم علاجه ؟

بيرنهارد غروم

ترجمة الدكتور سامر جميل رضوان

تزداد مؤخرا الدلائل   على أن المؤمنين يجنون من إيمانهم بالله أو بقوة عليا فائدة  فيما يتعلق بصحتهم النفسية والجسدية. ومن ناحية أخرى يعتبر الدين منذ زمن بعيد " سُماً " يمكنه بصرامة أن يحول  الناس المتربين على هدي الإيمان إلى معاقين عصابياً. فهل الإيمان خسارة نفسية أم مكسب؟

 

هل

  يضر التدين بالصحة النفسية للإنسان أم ينميها؟

في المحيط الناطق بالألمانية مازال التفكير بهذه المسألة  يتحرك حتى الآن في سكة التحليل النفسي بشكل خاص. فمع سيجموند فرويد يذهب الكثير من أن التدين عبارة عن " عصاب قسر عالمي  "  وعن رغبة نكوصية نحو حماية أب جبار ويبحثون عن الجذور الرئيسية  لمثل هذا التشكل وعدم النضج في  التربية الطفولية الباكرة .

فإذا كان فرويد قد صاغ مقولته هذه بعقلانية باردة  وبدون ذكر ولو مثال واحد ، فإن المحلل النفسي تيلمان موسر Tilman Moser  قد نشر في عام 1976 بمذكراته  التي أسماها " تسمم الله " كتاباً احتوى على كل ما ينقص ذاك  : الذهول و الوضوح .  وعلى الرغم من الانتقاد الموجه لحسابه الشديد الانفعال مع تربية تَقَويَّة ضيقة  على أنه مبالغة في التبسيط،  فإنه  أعاد بقوة  نمط التفسير الفرويدي الوافر العمومية  إلى حيز النظر وركزه ووسعه  بغضب.

وما يميز التفكير التحليل نفسي أيضاً التمسك الألماني بشكل خاص بمفهوم " العصاب الديني Ekklesiogene Neurose " . فعندما صاغه الطبيب النسائي  والمحلل النفسي  إيبيرهارد شيتزونغ Eberhard Schaetzung  في عام 1955 كان يتبع قصداً محقاً في ذلك الوقت يتمثل في التحذير من عواقب الجنسية المتطرفة الاحتشام، غير أنه مارس الفجور العصابي النظري عندما ادعى أن  الجنسية المثلية " تُربى مباشرة في   حلقات دينية  Pietistic معينة  من  خلال تحريم وتذنيب الجنس " . كما وأن البرودة الجنسية والعجز الجنسي يقومان على أساس تربية معادية للدافع و متزمتة.

كلاوس توماس ، طبيب وعالم لاهوت ومحلل نفسي كذلك في برلين ، تبنى التعبير  وأطلقه كذلك على اضطرابات  مثل المازوخية  والسادية  وعصابات القسر  بل وحتى على معاناة القساوسة من  تضيق النظم الكنسية والرؤساء .

وكان  تشخيصه " للعصاب الديني  " لدى 75 % من أصل أكثر من 100 دار من بيوت القساوسة الذين تعرف عليهم في جولته الثقافية سخياً مثل هذا التفسير أيضاً. إنه لرقم قياسي. ذلك أنه على ما يبدو لم يقم ولا كاتب قبلاً باعتبار  مجموعة مهنية كاملة  بالجملة - وبما يتناقض مع كل الدراسات التجريبية التي أجريت لاحقاً - على أنها عصابية . وبالطبع فإن توماس يقصد أيضاً بأن " التدين الحقيقي " يمكنه أن يقي من العصابات وأن يشفي الاضطرابات الخفيفة.

حتى وإن كان من غير المنكر أن كثير من الناس   وليس في الدوائر الكنسية (فقط ) كانوا قد عانوا من  تزمت كان منتشراً في السابق، فلن يخطر اليوم ببال أي شخص اعتبار  الاضطرابات الجنسية و الجنسية المثلية  "ذات منشأ ديني ".  وماذا عن اضطرابات القسر المترافقة  بمخاوف دينية ؟ فإذا ما كان على أحدهم أن يعيد صلواته  مراراً وتكراراً لأنه يخشى بأنه لم يكن مستغرقاً كفاية أو لأن أفكار سيئة قد أزعجته في أثناء العبادة ألا يكمن السبب عندئذ بوضوح في التربية الدينية المتزمتة؟

  section4

"  العصاب ذو المنشأ الديني " - مفهوم يريح

في كتابه " خرافة تسمم الله " الصادر في عام 1993 يذكر الطبيب النفسي من باسل صامويل بفايفر بحق، أن علم النفس العيادي ينظر لكل الاضطرابات النفسية الجدية بصورة متعددة العوامل. وطبقاً لذلك تتفاعل على الأغلب تأثيرات غير ملائمة  في الطفولة واليفوع  والنقص في الدعم الاجتماعي من الآخرين إضافة إلى  استعداد عصبي بيولوجي موروث أيضاً مع بعضها البعض  لتؤثر على التغلب على الإرهاقات  والصعوبات الراهنة بنجاح . ويتجلى عامل الاستعداد العصبي البيولوجي الموروث في أن اضطرابات القسر مثلاً لاتظهر في الغالب إلاّ لدى واحد من عدة أطفال تلقوا التربية نفسها لأسرة واحدة وبأن هذه الاضطرابات  تترافق مع آلام أخرى  ويمكن تخفيفها من خلال الأدوية النفسية. وحسب دراسة إسرائيلية وأخرى أمريكية فإن اضطرابات القسر لدى المتدينين ليست أكثر تكراراً منها لدى الأقل تديناً أو غير المتدينين،  وكذلك يمكن للقسر عند المتدينين أن يدور حول مخاوف دنيوية بالمقدار نفسه الذي يدور فيه حول مخاوف دينية.

 

وطبعاً يمكن لتربية تحافظ على المطالب الصارمة  من خلال التنبيه إلى العقوبة الإلهية  - الأمر الذي ينبغي أن يكون نادر الحدوث في هذه الأيام - أن تقوي  القلقية العامة الموجودة عند مفرطي الحساسية من الأطفال وإمكانات التعبير الدينية تساعد على ذلك.  

وعلى الرغم من ذلك  وحتى في الحالة غير الملائمة أيضاً يظل مثل هذا المحيط  سبباً ضمن أسباب أخرى  . ولكن من   الذي يقر ببساطة بأنه حساس ؟ فلماذا إذاً  لا يعزى كل الذنب أو على الأقل الذنب الرئيسي للتربية الدينية  المُشَوِّهة وفق النموذج التحليل نفسي و يتم بالتالي  تخفيف العبء ؟

و هذا ما يدعو إليه مفهوم " العصاب الديني " بالتحديد. غير أنه  يضيق النظرة التشخيصية والعلاجية - ولهذا السبب أيضاً لم يتم إدخاله في أية منظومة تصنيف علمية للاضطرابات النفسية . بل أن طالب علم النفس العيادي يتعلم بأنه لا بد له من مراعاة عوامل متعددة في العصابات " إذا ما أراد  تجنب الوقوع في خطأ النظرة  أحادية الجانب الذي قاد إلى  تسميات مثل  عصابات اجتماعية المنشأ أو طبية المنشأ ، أو دينية المنشأ  " كما يقول راينير توله Reiner Toelle  في كتابه التعليمي في " الطب النفسي " الصادر في عام 1988 . وعلى الرغم من ذلك ما زال علماء النفس الألمان يتحدثون عن العصابات الدينية ، حتى عندما يجدون أنفسهم مضطرين إلى تضييق المفهوم من خلال وضعه بين قوسين أو من خلال إضافة أنه لابد من عدم فهم المصطلح بصورة سببية وإنما بصورة ترابطية.  فالشعارات الفكرية يمكن أن تكون مغلفة بهالة  باهرة.

 

فهل يسبب الإيمان المرض ؟ على الرغم من أن باحثين  متفرقين  في علم النفس الأمريكي كالملحد المشهور ألبيرت إيليز Albert Ellis  قد اتخذوا من ذلك  موقفاً نقدياً خاصاً ( أنظر المقابلة ) من حيث المبدأ، فقد تطور  في الثلاثين سنة الأخيرة  بحث تطرق نظرياً للمسألة  بصورة أكثر صراحة   وبشكل خاص بصورة أكثر توجهاً نحو الملاحظة مما هو الأمر في ألمانيا. وقد ميزت الدراسات  التي تمخض عنها هذا البحث والتي تبلغ أكثر من 200 وفق  نمط عام  ولكنه موثوق بين تدين حقيقي ،أي نابع عن قناعة و غير حقيقي ظاهري  ( يمشي في الركاب ) ومتجه نحو الاستفادة واستنتجت وجود قيم نفسية وقائية عند الفئة الأولى أفضل من الثانية.  وغالبا ما تم السؤال عن الأهمية التي يعطيها الإنسان للإيمان من جهة . ومن جهة أخرى تم قياس مقدار وجود سمات معينة من الصحة النفسية.  

section5

لا يستطيع الإيمان أن يعوض عن العلاج النفسي 

وقد كانت النتيجة واضحة : فكلما ازدادت أهمية الدين اعتباراً لدى المسؤولين  وكانت صلواتهم أكثر انتظاماً  قل احتمال تعلقهم بالعقاقير والكحول .  كما وقدمت الدراسات إجابات واضحة حول موضوع " العصابية " ، أي   عدم الاستقرار الانفعالي  و حول " الذهانية " ، التي يفهم تحتها فقر المشاعر والخجل من الاتصال - وهما سمتان اعتبرهما هانس يورغن آيزينك ملفتتان للنظر بدرجات مختلفة  بالنسبة لشكاوى مركبة. وحول هذا الأمر يلخص ليسلي ج. فرانسيس Leslie J. Francis ،” بأنه ليس هناك من علاقة بين العصابية  والتدين. غير أنه توجد علاقة سلبية دالة بين الذهانية والتدي.

وطبقاً لهذه المقاييس  لا يوجد أي سبب للافتراض  بأن المؤمنين يمتلكون درجة ضئيلة من  الصحة النفسية،  بل ويوجد دليل  واضح  للافتراض  بتمتعهم  بدرجة عالية من الصحة النفسية ".

وهكذا تتكاثر الدلائل - على الرغم من أن أشياء كثيرة مازالت غير واضحة بعد -  على أن  التدين الشخصي في جملته أقرب لأن يسهم بالوقاية من الاضطرابات النفسية الخفيفة أو للتغلب عليها بصورة ملائمة، ولكن ضمن حدود معينة.

ألا يؤيد ذلك مطلباً علاجياً يقر بتيار نفسي وقائي  لتدين بنّاء غير تيار التحليل النفسي؟

فمنذ بدايات هذا القرن  مجد علماء النفس الأمريكان الإيمان باعتباره مصدراً " للطاقات الإلهية Transmundane    ( ويليم جيمس ) و " قوة شفاء " روحية .

ومن جذور مشابهة نمى مع الازدهار النفسي  وحركة التوسط Mediation    وموجة الإيسوتيريك Esoteric

 بعد 1970 في كثير من  البلدان تجمع كبير ملون من الأمل العلاجي - الروحاني . ففي حين طور  أدريان فان كام Adrian van Kaam  في الولايات المتحدة الأمريكية " العلاج الماورائي   Transcendencetherapy "  والنفساني الطبي بالتازار ستيلين Balthasar Staehlin   " علاجاً أساسياً  نفسياً جسدياً " ضد نقص الثقة الأصلية - يمتلك جذوره مثل فان كام في الروحانيات المسيحية - مع توليف من الدعوات الحارة  وحركات إيقاعية ودعوات قلبية كنسية شرقية.

كما وطور كارلفريد غراف دوركهايم    Karlfried Graf Duerckheim من الزازان Zazan  الياباني البوذي " العلاج الشعائري Intiatical Therapy   " الذي  يهدف إلى تحقيق سيرورة الفردانية الشافية   من خلال وسيط التنفس و خبرة التوحيد بمعنى كارل غوستاف يونغ. و حفزت الطقوس الصوفية الإسلامية الباكستاني  سيدا جاهانغيير Syeda Jahangir لتطوير طريقة " علاج القوة الأخرى " ، التي   تشجع المتعالج إلى إحياء علاقته بالله وبالتالي شفاء حتى الاكتئابات الشديدة كما يدعى . وأخيراً يستند  الطبيب النفسي ستانيسلاف غراف Stanislav Graf   إلى الخبرات الشامانية، بطريقته التي يهدف من ورائها إلى تحقيق خبرات " ما وراء شخصية transpersonal  " شافية من خلال  التنفس المتسارع  والموسيقى وحركة الجسد وعلامة الماندالاMandala .

فهل " علاج الله " بدلاً من " تسمم الله "  إذاً؟ . فعلى الرغم من أن المبادئ المذكورة لا تريد الحلول محل العلاج النفسي الراسخ، غير أنها لا توضح كذلك فيما إذا كانت تدعمه و تعد بتأثير قاعدي غير مقصور على اضطرابات محددة وبالتالي يمكن اعتبارها دواء لكل داء  . وهذا لا يستبعد أن مساعدة  المعالجين الروحانيين و الدوافع الدينية  تخفف من الآلام البسيطة - غير أن هذه التأثيرات لم يتم إثباتها إلا من خلال تقارير عن حالات فردية فقط.

وقد اقترح بعض علماء النفس الأمريكان طريقاً أكثر موثوقية استخدموا فيه  " العلاج العقلاني  الانفعالي Rational - emotive Therapy  " لألبيرت إيليز أو "  العلاج الاستعرافي   Cognitive Therapy "  وفق طريقة أرون بيك مع متعالجين مسيحيين وأدخلوا قناعات دينية في هذين الأسلوبين.  وقد اشترك في مثل هذه التجربة أشخاص يعانون من اكتئاب طفيف. وبعد أن تم إرشادهم إلى جعل الأفكار السلبية  التي تحصل لديهم بشكل آلي تقريباً مدركة ، وجب عليهم أن يحاولوا صياغة  مواقف أكثر ملائمة والتمرن عليها في مجالات محددة من مشكلاتهم اليومية.

وكرؤيا مستقبلية تفاؤلية فقد أثر المرء على المجموعة الدنيوية من خلال التصور " إني أرى الكيفية التي سأتغلب فيها على هذا الموقف الخاص  في المستقبل " في حين  حُفزت المجموعة المتدينة على القول " أستطيع أن أتصور،كيف سيكون المسيح معي في هذا الموقف الذي أحاول التغلب عليه " . وقد ظهر أن متغيرات العلاج الدينية كانت فاعلة على الدوام في الاختبارات اللاحقة، بل وأحياناً أكثر قليلاً من الشكل الدنيوي، إلاّ أن التحسن في كلا الأسلوبين  لم يستمر طويلاً .

وليس من المفاجئ ألاّ تحقق المتغيرة الدينية أعجوبة الشفاء . ذلك أنه سواء نشوء الاضطرابات النفسية أم علاجها يتعلق بعوامل متنوعة. ولا يشكل الإيمان الديني إلاّ واحداً منها فحسب.  يمكن للإيمان من خلال مغزاه أن يُعَزِّز ويُؤَكِد  الاستعدادات للخبرة والتقييم التي تتحول بالتدريج نحو الإيجابية  وذلك  عندما يتم وصف علاج دوائي ضروري أو إثارة سيرورات التعلم الملحة على سبيل المثال. وبهذا فقد يعيق الاستسلام - طالما أن الاكتئاب غير عميق - وحتى الانتحار أيضاً. ولكن الإيمان لا يمكن أن يحل في العادة محل العمل العلاجي النفسي وإنما يمكن أن يدعمه فحسب.  

 

section6
قلما توجد علاقة بين الإيمان والحظ

وهكذا فقد تقدم الرأي القائل بأنه لابد من احترام  القيم الدينية والثقافية للمتعالجين وفي مقتضى الحال كذلك أيضاً لابد من التعرض لها كوحدة مترابطة. لقد أجاب 53% من النفسانيين العياديين في الجمعية الأمريكية لعلم النفس بأنهم يعتبرون أن القناعات الدينية لدى متعالجيهم مرغوبة ، في حين أن 14 %  وصفوها بأنها غير مرغوبة و 33% لم يكونوا مع أو ضد.

نعم - للدعم العلاجي من خلال الدين   ؛ ولكن ليس كبديل للعلاج النفسي: وقد اثبت هذا المبدأ الأساسي صلاحيته في مجموعات مختلفة للمساعدة الذاتية، وبشكل مثير هائل في مجموعات الكحوليين المغفلين  Antonym  أكبر حركة من هذا النوع في العالم ككل.

فمنذ بدايتهم في عام 1935 فإن الكحوليين المغفلين مقتنعون بأن الاتجاه الروحاني  يمكن أن يدعم  التحرر من الإدمان بشكل أكيد، على الرغم من أنهم يتقبلون أعضاء غير متدينين بينهم. ففي ما يسمى  بالخطوات 12 تقول إحداها   " لقد توصلنا إلى الاعتقاد بأن قوة أكبر منا أنفسنا  يمكنها أن تعيد لنا صحتنا العقلية.  لقد قررنا أن نضع إرادتنا وحياتنا بين يدي الله - بالشكل الذي نفهمه به ".

كما وظهرت من جانب  العصاب والشفاء،  وفي المجال السوي للخبرة الطبيعية  صورة شبيهة لتأثير الإيمان الديني. ففي الولايات المتحدة الأمريكية وكندا  وألمانيا أظهرت ما لا يقل ثلاث (دزينات ) من الأبحاث بوضوح بأنه يوجد ارتباط إيجابي، ولكن غير شديد ،  بين الإيمان الذي يمتلك أهمية شخصية من جهة و  الرضا  عن الحياة  والسعادة والمزاج الإيجابي وبين اتجاه  المعنى من جهة أخرى.

ويتضح هذا الارتباط في التدين الناشئ من الداخل أكثر منه في التدين الظاهري. وهذا الزائد في الإحساس بالصحة لا يتعلق  بالانتماء إلى طائفة دينية داعمة من الناحية الاجتماعية فحسب وإنما يتعلق أيضاً بالصلوات الشخصية وبقناعات دينية راسخة.  فاستناداً إلى الألمان الغربيين  على سبيل المثال ظهر  في الاستطلاع  الذي أجراه إيمنيد Emnid    بعنوان " ماذا يفكر الألمان؟ " بتكليف من مجلة  " دير شبيغل  " الألمانية  في عام  1992 ، أن الناس الذين يزورون الكنيسة للصلاة بانتظام  أكثر سعادة في حياتهم بنسبة 16 % أكثر - إذا كانوا من البروتستانت - وبنسبة 10% أكثر - إذا كانوا من الكاثوليك _ من الذين لا يذهبون إلى الكنيسة .

ولا ينكر أحد أن الحظ والسعادة تتطلبات طيفاً واسعاً من القيم الدنيوية  واستراتيجيات إشباع وأنماط تغلب عامة ، أي باختصار :" تقنيات حياتية " كما يسميها هانس تومي Hans Thomae . ولكن نتائج الأبحاث المذكورة تشير إلى نتيجة مفادها أن  التدين الحار يمكن أن يحفز وينمي  بعض التقنيات الحياتية المهمة  . وإلا لماذا يقر 37% من سكان غرب ألمانيا بأنهم ينهلون من الإيمان  " المواساة والقوة " ؟.

ولهذا السبب ما من شك  اليوم ليس بالنسبة لكثير من المعالجين النفسيين فحسب وإنما بالنسبة لباحثي نوعية الحياة بأن التدين  يشكل مورداً مهماً للصحة النفسية. أما الكيفية التي ينبغي فيها تفسير هذا التأثير المبارك بالتحديد - كدافع  لاحترام الذات ، كدعم سيرورات الحزن  ، كتحقيق للمعنى في الالتزام الاجتماعي ومدخل للتفكير الإيجابي في الشكر والحمد؟ - فقد تمت دراستها في علم النفسي بشكل جزئي بادئ ذي بدء.

غير أن السؤال المطروح هو على الرغم من المحصلة الإيجابية  فلماذا  مساهمة الإيمان بالسعادة والرضا عن الحياة محدودة  بوضوح إذاً؟

ويكمن السبب من جهة بأن الإيمان اليوم  لدى كثيرين  قد تحول إلى فكرة قليلة الممارسة  على شكل - لقد - سمعت - مرة ، ومن جهة أخرى أيضاً لأن القناعات الدينية  - منظور إليها من جهتها  بصورة متعددة العوامل - لا تحسن  بشكل مباشر مثل الأدوية النفسية  الأسس العصبية  لمزاجنا وقابليتنا للإرهاق ولا تحشد كذلك كل مساحة تقنيات الحياة التي تضمن  الصحة والسعادة، وإنما تعتمد  دائماً كذلك على نمو ملائم وعام للشخصية . إن التدين  بكل معانيه ورموزه وطقوسه لا يمكنه إلاّ أن  يؤكد ويحفز ويدعم الاستعداد المتوفر  نحو التقييم الإيجابي  لذات الشخص وللمحيطين وللحياة. وهذا كثير ولكن ليس كل شىء. وحتى أنها في هذا الإطار قد تنمي الصحة الجسدية أيضاً، كما ترى دراسات أمريكية أنها تستطيع إثبات ذلك في عوامل خطر صحية متعددة. 

ولكن هذا لن  يحدث بالطبع إلى درجة تبرير  علاوة تديُّن على المبالغ المساهم بها لصندوق التأمين المرضي.  ومع هذه التقييدات يمكن أن يتمسك حكم مارتين بوبيرز Martin Bubers   بمنصة اختبار علم النفس التجريبي: " من حيث المبدأ تنتهي  كل الديانات الكبرى و  والحركات الدينية بخلقها لحياة بحماس".


section7

" الدين كراكيب أطفال "

ترجمة الدكتور سامر جميل رضوان

 

 يظل غورو العلاج ألبيرت إيليز شكاكاً ويعتبر الدين من نواتج المرض النفسي

 

علم النفس اليوم: هل تعتقد بوجود إله ما؟

        ألبيرت إيليز:  عندما كان عمري 12 سنة أصبحت ملحداً، وما زلت  اعتقد - وفق كل الاحتمالات - بعدم وجود إله، مثلما لا يوجد بابا نويل ولا كذلك جنيات ولا ملائكة.  تعلمت في الصف السادس بأن العالم قد أُنجز خلال مليارات السنين من التطور . وهذا ما أطفأ اعتقادي الطفولي بأن الله قد خلق العالم في ستة أيام . ومنذ ذلك الحين أصبح ذلك بالنسبة لي كراكيب أطفال ولم أعد أفكر بذلك كثيراً.

علم النفس اليوم: كيف تنظر للناس الذين يؤمنون بالله ؟

إيليز: إن كل من يعتقد بشيء ما مطلق يكون مضاداً للعلماء ويميل إلى التفكير بتطرف مجنون.  وكل المتدينين يفعلون ذلك حتى عندما لا  يبدون ذلك علانية . ولكن هناك مجموعة واسعة من المؤمنين الأشرار فعلاً ، المتعصبين كما في إيران مثلاً.

علم النفس اليوم : لأنك تخلط الدين بالسياسة ؟

إيليز: نعم ، بالطبع. اعتقد بأننا نواجه  اضطراباً نفسياً أساسياً. والناس الذين يصيبهم هذا الاضطراب  يصبحون أقرب للمتدينين منهم للملحدين أو الشكاكين.  الدين موجود أصلاً  لأن هذا الاضطراب موجود  فالدين ليس عبثاً. - إنه يقوم على فرضيات ليست غير قابلة للبرهان فحسب وإنما بعيدة الاحتمال. وكما أقول غالباً : قد يوجد إله ولكن هذا الاحتمال يبلغ 0,0000000001  وعلى الرغم من ذلك لا يعتقد الكثيرين  بإمكانية وجود إله فحسب وإنما يعتقدون بأنه لابد من وجوده . وعندما يميل الناس للعقائدية Dogmatism فإنهم يميلون عندئذ للدين ويخلطون دينهم بالسياسة  والاقتصاد.

علم النفس اليوم : غير أن غالبية الناس يبدون بأنهم يمتلكون  الحاجة العميقة  لإجلال قوة عليا؟

إيليز:  الولاء والإجلال يمكن أن يكونا سليمين، إذا ما لم يدعي المرء بأن هذا هو الطريق الوحيد للخلاص وأن على الآخرين أن يسيروا عليه.

علم النفس اليوم: تشير استطلاعات الرأي العام في معهد غالوب إلى أن الناس الأكثر تديناً والناس الأقل تديناً هم أكثر الناس تسامحاً .

إيليز : كنت سأقول ذلك أيضاً - أن المتدينين هم الأكثر تسامحاً ورقة في وجوه عديدة، ولكنهم من المؤكد  في نقاط أخرى كثيرة  غير متسامحين . بل أنهم ربما يبحثون لأنفسهم عن دين تحدد عقيدته أن يكون متسامحاً….

علم النفس اليوم: ما رأيك بالدراسات الأخيرة التي تثبت بأن ضغط الدم لدى من يذهبون  بانتظام للكنيسة يكون منخفضاً كما وأنهم أقل مرضاً ؟

إيليز : ( ضاحكاً ) إن السبب في أن ضغط الدم أكثر  انخفاضاً عند من يذهب للكنيسة مضحك،  مضحك جداً: لأنهم يعتقدون  بأنهم على حق! لهذا يشعرون بالراحة - " إني على الطريق الصحيح ومن يعتقد في كل شيء  بأنه على الضفة الآمنة فسيكون بالطبع ضغط دمه أخفض من شخص يشك.

علم النفس اليوم ومن أين لك أن تعرف هذا بالضبط؟

إيليز: هناك الكثير من الدلائل حول ذلك. لقد لاحظ الطبيب النفسي المشهور جيروم فرانك Jerom Frank  بصورة صحيحة كلية ، أن العلاج النفسي يعمل  لأن المعالج يؤمن   بما يقوم به وبعد ذلك يؤمن المتعالج أو المريض بهذا بشدة. فبمجرد أن يقتنع المعالج و  المتعالج بأن سبب مشكلته يعود إلى أن أمه قد نظرت إليه نظرة غير سليمة فسوف يشعر هذا بالراحة. فالإيمان بأي شيء يمكن أن يخفض ضغط الدم - ويمكن كذلك  أن يسبب أشياء أخرى كلية.

علم النفس اليوم: ولكن هذه الفرضية اليقينية  تناقض النتائج التي تشير إلى أن الدعوات من مثل " مشيئتك يا رب " هي التي تؤثر على الصحة بصورة منمية وليس تلك الدعوات التي تتضمن أي شيء.

إيليز: " مشيئتك يا رب " عبارة عن شكل آخر من العلاج. أنت يا الله تمتلك كل الحق في كل شيء وفي كل زمان . ولهذا أقبِّلك، ولتكن مشيئتك.  وأنا أسمي هذا اليقين. ولكن هذا هو مجرد الجزء المضحك. أما الجزء الآخر من اليقين يقول : " إني أعرف الله جيداً وقد أمرني بقتلك".

علم النفس اليوم:  فأنت غير مقتنع إذاً بالتأثيرات النفسية الإيجابية  للإيمان ؟

إيليز: لقد أكدت في محاضرة منذ مدة قصيرة بأنه من الممكن جداً أن تكون  لبعض أشكال الأديان  تأثيرات إيجابية. ولكن غالبية الأديان في العادة أقرب لأن تكون ضارة. لأنها تصرف عن الحلول النفسية الأفضل للمشكلات في الحياة. ولكن هناك قناعات دينية  محددة أيضاً والتي أنا نفسي أتبناها مثل : اكره الخطيئة، ولكن ليس الخاطئ.

علم النفس اليوم: وماذا تعتقد بأنه سيحصل معك بعد الموت ؟

إيليز: لا شيء، لاشيء إطلاقاً. وهذا ما أقوله لمتعالجي:  يعود الإنسان  إلى الحالة التي كان عليها قبل الإلقاح. إلى لاشيء. لا ألم، لا سعادة ، لاشيء


section8

الدين : إكسير الشباب لكبار السن؟

ترجمة الدكتور سامر جميل رضوان

تثبت الدراسات، كيفية تأثير الإيمان على نوعية حياة المسنين

 

نجم

 المسنين ساطع - حتى في العلم . فكما  ينتقد  باحث الكبر الأمريكي تيموتي جونسون  Timothy Johnson بأنه على الرغم من أن علماء الشيخوخة قد اهتموا في السنوات الأخيرة بصورة مكثفة بمشكلات الصحة والذكاء في الكبر ، إلاّ أنهم لم يهتموا كثيراً فيما إذا كان إيمان المسنين يؤثر على حياتهم والكيفية التي يؤثر بها الإيمان،  تظهر دراسات أمريكية حديثة، بأن هذا غير محق كثيراً: بما أن التدين  يمكن أن يؤثر على كل مجالات الحياة  بصورة إيجابية ، فهو يمتلك أهمية وجودية بالنسبة لكبار السن.

وحتى الآن  اكتفى كثير من الباحثين  بالاستنتاج البسيط القائل بأن كبار السن متدينون  واقتصروا  غالباً على ما يسمى  "بالبعد الذاتي " من خلال أسئلة أقرب للسطحية، كم مرة يصلي الكبار في السن ومدى تكرار قراءة الإنجيل - فمن الدراسات الأمريكية نعرف على سبيل المثال أن ثلاثة من أصل أربعة  من كبار السن الأمريكيين   تقريباً يصلون يومياً  والثلث يقرأ الإنجيل.

وبالنسبة لجونسون ينبغي أن ينظر للإيمان أو للخبرة الدينية أو الروحية " كحدث متعدد الأبعاد" يتضمن بشكل خاص  إلى جانب بعد داخلي " خاص " مستوى سلوكياً " خارجياً " غير مراعى حتى الآن إلى مدى كبير - لا يقتصر على السؤال عن تكرار الذهاب إلى الكنيسة. و تظهر النتائج المفاجئة لأبحاث الشيخوخة أنه كلما كان كبار السن أكثر تديناً أكبر اشتركوا بشكل أكثر كثافة بالحياة الاجتماعية واهتموا بعلاقاتهم الإنسانية سواء الزوجية منها أو الصداقة أو الجيران أو بالجماعة واهتموا بالناس المحتاجين للمساعدة أو بقاطني دار المسنين. ويبدو أن التدين بالنسبة للمسنين عبارة عن قوة إيجابية للتعبير عن " التضامن مع الكون والآخرين".

ولا يؤثر كل من الإيمان الشخصي بالله والصلاة  داخلياً فحسب وإنما يؤثران بشدة  على  الحياة الاجتماعية للمسنين. وبالنسبة لباحثي الشيخوخة مارتين هولت ومورتون ديلمان- جينكينز تمتلك " الحياة الروحية " الغنية وجوهاً اجتماعية جوهرية تصون الكثير من المسنين من مشكلة جبارة  للمجتمعات الحديثة: " العشوائية "  كفقدان للمعنى وتداعي القيم.  فالإيمان يساعد  المسنين بالمقابل في تنمية نوعية حياتهم بعمق ومنح حياتهم معنى  والتغلب على التفكير بالموت أو التعامل مع الخسائر والأحزان  في الوجود بشكل أفضل .

فالتدين يحقق في الكبر تكاملاً وجودياً واسعاً، بحيث أنه يبدو بالنسبة لكثير من المسنين نوع من الإكسير الجسمي والروحي:  فقد وجد علماء الشيخوخة أم  المسنين المتدينين أكثر أملاً وتفاؤلاً  من أترابهم المسنين غير المتدينين، ويمتلكون قيمة ذاتية أكبر ويتحكمون بالحياة بشكل أفضل ولا يشعرون بالوحدة  أو بعدم السعادة ويعانون بشكل أقل بكثير من الأمراض الاكتئابية  ويتغلبون على المشقة بشكل أفضل.  وباختصار: إن من  يستطيع في الشيخوخة الإيمان  بالله وبالحب الإلهي في الناس يعيش عموماً أكثر صحة  وسعادة.

والمعطيات واضحة جداً - للتدين  تأثير أكبر من الدخل  أو التأهيل  أو عدد سنوات العمر - بحيث أن علماء النفس والاجتماع لن يظلوا  لفترة طويلة  يفسرون التدين على أنه هروب من الواقع أو يضعونه على قرب مباشر  الميول السلوكية العصابية, على أية حال يؤكد تيموني جونسون أنه لابد من التأكد من النتائج الحالية من خلال أبحاث أخرى وتعميقها  وتجريبياً ونظرياً. وبما أنه لا تتوفر دراسات مقارنة عبر ثقافية و الدراسات تستند بلا استثناء على الطوائف اليهودية والكاثوليكية والبروتستانتية ، فلا نعرف فيما إذا كانت النتائج غير متعلقة بالثقافة وفيما إذا كان كل شكل من أشكال التدين أو الروحانية - في المذاهب أو في الطوائف الأصولية مثلاً يؤثر بصورة إيجابية.

بالإضافة إلى ذلك ينصح باحث الشيخوخة كل الذين يتعاملون مهنياً أو أسرياً مع المسنين في المستقبل المراعاة الأكبر لبعد الكينونة والخبرة الدينيين عند المسنين - و " إغنائهما " بالقدر نفسه : ويقول باحث الشيخوخة الأمريكي : " لابد من تشجيع المسنين بإلحاح على الحديث عن إيمانهم  من أجل جعل أهمية الإيمان بالنسبة لحياتهم أكثر إدراكاً والبحث عن القرب من الآخرين. ولابد من إتاحة الفرصة للمسنين وبشكل خاص في دور المسنين لتثقيف حياتهم الدينية سواء شخصياً أم ضمن طائفة المؤمنين.

 
section9
الألمان الملحدون

ترجمة الدكتور سامر جميل رضوان

كيف يفكر الألمان الشرقيين والغربيون حول حقائق عليا

 

تلعب

 قضايا الإيمان والمعنى دوراً مهماً بالنسبة للألمان. فحوالي 5% فقط من الألمان الشرقيين والغربيين سواء لم يتأملوا في حياتهم " بحقائق عليا". وحسب ما أظهر  عالما الاجتماع الميونخيان  كريستيان تارناي وديرك جون في دراسة مقارنة بين غرب وشرق ألمانيا ( إعادة تحليل لاستفتاء السكان العام في العلوم الاجتماعية ALLBUS  لسنة 1992 ) يمكن تقسيم الأكثرية العظمى من الألمان الراشدين من الناحية العقائدية إلى ثلاثة   مجموعات كبيرة: فإلى جانب المسيحيين( " يوجد إله ، يريد أن يكون إلهاً لنا " ) والطبيعيين ( " تتحدد الحياة في النهاية من خلال قوانين الطبيعة " )  وجد الباحثان فئة " غير المتمايزين " أيضاً. ويختلف غير المتمايزين بوضوح عن " الذين لا رأي لهم " ، ذلك أنهم على الرغم من أنهم  لم يختاروا  القناعات المسيحية أو الطبيعية إلاّ أنهم يتفهمون هاتين العقيدتين  ويؤيدونهما.

وتشير المعطيات إلى أن الألمان والألمان زوجان مختلفان  جداً في قضايا الإيمان والمعنى أيضاً : إذ تظهر أهم نتيجة لعالمي الاجتماع أنه في " الشرق" توجد درجة عالية من الدنيوية تختلف  بوضوح عن دنيوية الألمان الغربيين".

فجيل ما بعد الحرب المولود بين عامي 1945 و 1965 في الولايات الألمانية الحديث يتبنى بشكل عام رؤيا حياتية بارزة المادية . إذ تبلغ نسبة من يتبنى عقيدة طبيعية "صلبة  " حوالي 60% في شرق ألمانيا، في حين تبلغ النسبة في غربها 19% تقريباً - عدا عن ذلك فإن  25% من الطبيعيين " اللينين " ( " الحياة عبارة عن جزء من تطور الطبيعة " ) تحتوي على 84% بالضبط  أي 9 من أصل 10 تقريباً من سكان ألمانيا الشرقية " غير مؤمنين " . أما في غرب ألمانيا فقد بلغت نسبة من أنكر القناعات المسيحية بوضوح حوالي 50%.

أما مدى قلة انتشار التصورات الدينية المسيحية  لدى الألمان الشرقيين الذين لا دين لهم فتظهره حقيقة أن 4% فقط قد وصفوا أنفسهم بأنهم مسيحيون - وفي الغرب بلغت نسبة هذه المجموعة 15% تقريباً، أي أكثر بحوالي 4 مرات.

وتظهر المقارنة التالية  اختلاف الاتجاهات بين الألمان في الشرق والغرب في قضية الدين :

n كل ثالث ألماني غربي يعتبر من غير المتمايزين تأملياً أي بنسبة تبلغ 29و4 بالتحديد - في حين أن النسبة تبلغ حوالي 8% تقريباً.

n يعتبر غير المتمايزين أنفسهم بأنهم  " متدينون " - الألمان الغربيون أشد من الألمان الشرقيين " .

n يلعب المجال الحياتي " الدين والكنيسة " بشكل عام دوراً ثانوياً جداً - وبشكل خاص يعتبره الألمان الشرقيين الطبيعيين بأنه " غير مهم "

وتظهر التحليلات  أن الجوهر الأساسي  للمسيحيين  الشرقيين القلائل لم يمس من خلال اتجاهات الدنيوية ويقدر ذاته بأنه أكثر تديناً إلى مدى كبير من أخوة وأخوات الإيمان في الغرب - ولكن بشكل عام يعتبر أتباع لوثر الألمان الشرقيين أنفسهم بأنهم  " غير متدينين " بوضوح.


 

 افتتاحية عدد حزيران 1997 من علم النفس اليوم صفحة 3 بقلم رئيس التحرير

العنوان الأصلي Religion- Ruckkehr des Verdraengten ?

-أستاذ مساعد متخصص في علم النفس الإكلينيكي، قسم الصحة النفسية، كلية التربية ، جامعة دمشق.

الاتباع الصارم والدقيق للتعاليم بحرفيتها تقريباً بدون محاولة تطويرها. ( المترجم ). البلاسيبو : دواء لا هو ضار ولا نافع يحتوي على السكر فقط. يعطى للمرضى الذين يتوهمون المرض ويمكنه أن يحقق النجاح بسبب توهم المريض بأن هذا الدواء يشفيه. كما ويستخدم البلاسيبو في تجارب إثبات فاعلية دواء ما حيث تعطى إحدى المجموعات الدواء الحقيقي والثانية الدواء الكاذب بدون معرفة المجموعتين أيهما الدواء الحقيقي أو الكاذب من أجل دراسة التأثير الحقيقي للدواء على المرضى. ( المترجم )

 إشارة إلى أن الإيمان عبارة عن قناعة داخلية ولا يمكن أن يقرره شخص لآخر ( المترجم ).

 العنوان الأصلي للمقال Macht Glauben Gesund ?

Psychologie Heute, Juni, 1997( 20-21)

 استراتيجيات التأقلم : عبارة عن آليات استعرافية شعورية يسخرها الفرد في مواجهة المواقف الحياتية المختلفة وبشكل خاص المواقف المرهقة أو مواقف المتطلبات. ( المترجم ).

المرضنة: جعل الشيء مرضياً ، أو إلحاق صفة المرض بالشيء ( المترجم )

 العنوان الأصلي للمقال                                        Gottesvergiftung oder Gottestherapie?                                                                    Psychologie Heute , Juni 1997 (22-24)   

 بيرنهارد غروم من مواليد 1936 أستاذ في علم نفس الدين والتربية الدينية في المعهد العالي للفلسفة في ميونخ . من منشوراته علم النفس التربوي الديني في سن الطفولة  والمدرسة واليفوع الطبعة الرابعة 1992 و علم نفس الدين ، الطبعة الثانية 1996 ومن أجل أن تنجح الحياة 1997.    Pietism: حركة دينية في ألمانيا نشأت في القرن 17  وأكدت على دراسة الكتاب المقدس والخبرة الدينية ( المترجم ).

 العلاقة الإحصائية السلبية تعني وجود علاقة عكسية بين الطرفين، أي كلما ارتفع أحدهما قل الآخر ( المترجم ).

Esoteric: أسرار يسمح الإطلاع عليها من قبل أشخاص معينين فقط ( المترجم )

Transcendence: كل ما يقع وراء الخبرة الإنسانية، أو ما لا يمكن إدراكه بالخبرة الإنسانية ( المترجم )

الشامان كاهن يستخدم السحر للكشف عن المخبأ ولمعالجة المرضى والسيطرة على الأحداث ( المترجم ). الماندالا:  رمز الكون عند الهندوس والبوذيين وهي عبارة عن دائرة تطوق مربعاً وعلى كل من جانبيها رسم إله.

العنوان الأصلي للمقال: Religion ist Kinderkram""

Psychologie Heute Juni 1997, 25

  Guru المرشد الروحي في الديانة الهندوسية  أو المعلم ( المترجم )

 ألبيرت إيليز من مواليد 1913 مؤسس العلاج العقلاني الانفعالي (RET) الذي يذهب من أن الاضطرابات النفسية تقوم على أساس " مواقف لاعقلانية " ( irrational belief systems).

 تم التصرف بترجمة هذه العبارة .

  وردت بالإنجليزية في النص الأصلي.

 العنوان الأصلي للمقال: Die gottlosen Deutschen

Psychologie Heute , juni, 1987, 28

لمقصود شرق ألمانيا طبعاً أي ما كان يعرف بألمانيا الديمقراطية

لتسمية الحالية لمناطق ألمانيا الشرقية سابقاً

مارتين لوثر ( 1483-1546) راهب ألماني  تزعم حركة الإصلاح  البروتستانتي  في ألمانيا. والمقصود بأتباع لوثر كون المدينة التي عاش فيها لوثر واقعة ضمن مناطق ألمانيا الشرقية سابقاً.