التراث النفسي العربي
 

 

 

أساليب معالجة الأطباء العرب للاضطرابات النفسية

 
   

 

 

نماذج من أساليب معالجة الاطباء العرب والمسلمين للإ  ضطرابات النفسية

 

الدكتور محمود الحاج قاسم محمد

   الموصل/العراق             

            كتب الاطباء والعلماء العرب والمسلمون مجلدات عديدة في ميدان الطب النفسي، ولكن لسوء الحظ لم يصل الينا الا القليل، فيقال ان اول من عالج موضوع الصحة البدنية ـــ النفسية من العلماء العرب والمسلمين هو ابو زيد احمد بن سهل البلخي )ت 322هـــ = 922م( في كتابه «مصالح الابدان والانفس» وكتب اسحاق بن عمران مقالة حسنة عن المالينخوليا سوف نـتـناول الحديث عنها فيما بعد.

 وكتب ابن الهيثم عن تأثير الموسيقى في الانسان والحيوان وكان هبة اللّه ابن جميع اول من استـعـمل العلاج الروحاني او النفساني والف كتاباً دعاه بالارشاد لمصالح الانفس والاجساد، وقد كتب ابن ميمون رسالتين خصيصاً للسلطان الافضل احداهما هي تدبـير الصحة تشمل بحثا عن علاج الحالـــة النفسية التي كـــان السـلـطــــان مـريـضاً بها، وقد سماها ابن ميمون الهبوط النفسيژ)گژ1گژ(گ. ونجد في الحاوي للرازي وصفاً دقيقاً لبعض الامــراض العقلية كالمالينخوليا والمرقية والشراسفية حيث يميز بـينها بجلاء وكذلك يفرق بـين فساد الحس مـع صـــواب الحكم وصــــواب الحس مـــع فـســــاد الحكم.

 ونجيب الدين ابو حامد السمرقندي من معاصري الرازي كان من المع الاسماء في تاريخ الطب النفسي العربـي الاسلامي، اليه يعود الفضل في وصف الكثير من الاضطرابات العقلية وصفاً دقيقاً مفصلاً ومن ذلك انه وصف حالة هتر حسي مصحوب بسلوك شاذ، وحالات قلق اجترازي مصحوب بشك واضطراب وسواسي قهري ونوعاً من المرض العقلي الاضطهادي، وطائفة من اضطراب الحكم تـتضمن سلوكاً سايكوباثياً، وحالات اكتـئاب مصحوبة بقلق عميق وغير ذلك. وقد تضمن تصنيف نجيب الدين تسعة اصناف من المرض العقلي تشمل ثلاثين حالة مرضيةژ)گژ2گژ(گ.

 والاطباء والعلماء العرب والمسلمون في معالجتهم للامراض العقلية والنفسية لجأوا الى طرق فيها الكثير من الابتكار والمهارة استـندت تلك الطرق على فهم وادراك الطبـيب لحالة المريض وكسب ثـقته ومحاولة التأثير فيه نفسياً الامر الذي دفعهم للابداع في ميدان العلاج النفسي )Psychotheray( وتحقيق الكثير في وقت كانت الاضطرابات النفسية قد انفصلت عن الطب ودخلت في نطاق الشعوذة والدجل والسحر واذا كان من المتعذر علينا الاحاطة في هذا البحث المحدود بكل ما قدمه الاطباء العرب والمسلمون في هذا الحقل فحسبـي الامثلة القليلة التالية لتدل على انتاجاتهم البارعة:

 1 ــ ان من اساليب الرازي العلاجية: لجوءه الى الايحاء النفسي كطريقة علاج ويتضح ذلك من قوله: «ينبغي للطبيب ان يوهم المريض ابداً الصحة ويرجيها. وان كان غير واثق بذلك. فمزاج الجسم تابع لاخلاق النفس». كما يقول: «لا توهم العليل ان به مالينخوليا لكن انما تعالجه من سوء الهضم فقط وساعده على كثير من رأيه وألْهِهِ وفرحه واشغله عن الفكر...»ژ)گژ3گژ(گ.

 2 ــ وهذا مثال لمعالجة مريض بالوهم: حيث عالج الطبيب ابو البركات هبة اللّه شاباً كان يعتقد انه يحمل دناً على رأسه فكان يتحاشى السقوف الواطـئة والازدحام ويسير برفق ولا يدع احداً يدنو منه لئلا يقع الدن وينكسر. فأمر ابو البركات احد غلمانه من غير علم المريض بان يوهم انه ضرب الدن الذي فوق رأس المريض وامر غلاماً اخر ان يرمي دنا وراء المريض بذات الدقيقة. وقد نجحت الحيلة وشفي المريضژ)گژ4گژ(گ.

 3 ــ ومثال آخر على معالجة مريض بالوهم: يقول اسحاق بن عمران: «هناك من يتوهم ان لا رأس له كمثل ما رأينا قريبا من القيروان، فاثـقلنا رأيه بقلنسوة من الرصاص وجعلناها على رأسه في محل الخوذة حينـئذ صح عنده ان له رأسا»ژ)گژ5گژ(گ.

 4 ــ معالجة الرازي لحالة وسواس )Obsession(: بطريقة حل فكر المريض وهي لا شك طريقة صحيحة في العلاج النفسي يقول الرازي: «كان رجلاً شكا الي ان اعالجه من مرة زعم سوداوية فسألته ما يجد فقال افكر في اللّه تعالى من اين جاء وكيف ولد الاشياء. فأخبرته ان هذا فكر يعم العقلاء اجمع فبرئ من ساعته وقد كان اتهم عقله حتى انه كاد ان يقصر فيما يسعى من مصالحه وغير واحد من هؤلاء عالجته بحل فكره»ژ)گژ6گژ(گ.

 5 ــ المعالجة المادية في معالجة الامراض النفسية: هذا النوع من العلاج يستهدف زيادة الوزن الجسمي لمقاومة الانفعالات النفسية التي تـتغلب على المريض عند نحوله الشديد وان قيام ابن سينا بعلاج احد مرضاه بهذه الطريقة التي تعين اتجاهاً في مفهوم الامراض النفسية يعتبر ضرورة لازمة في كثير من الحالات وهي استعمال المادة في علاج الامراض النفسية، سبق واعترف به علماء النفسژ)گژ7گژ(گ. وخلاصة القصة بأن احد المرضى اعتقد بأنه بقرة ورفض ان يأكل الطعام طالباً القصاب ليذبحه، وقال ابن سينا له بأنه فعلاً بقرة ولكن القصاب لا يذبح بقرة هزيلة فعليه ان يأكل لكي يسمن ثم سوف يذبح، ولما استمر المريض بتـناول الغذاء وتحسنت صحته نسي ما كان يتوهم منه بأنه بقرة فشفي من حالته»ژ)گژ8گژ(گ.

 6 ــ معالجة حالات هستريا: ان معالجة الاطباء العرب والمسلمين للعديد من حالات الهستيريا تدل على معرفتهم الدقيقة بطبـيعة هذا المرض وادراكهم تأثير الانفعالات النفسية على الجسم. نذكر فيما يلي بعضاً من تلك الحالات وبشكل موجز ولمن يود الاطلاع على تفاصيل تلك الحالات يمكنه مراجعة المصادر التي اعتمدنا عليها:

 أ ـــ معالجة ابن بختيشوع لجارية كانت تعاني شللا وظيفيا في يدها وكان ذلك بأن امسك ثوبها كأنه يريد ان يكشف جسمها، فاسترسلت اعضاء الجارية من شدة الحياء، وبسطت يدها لترده فبرئتژ)گژ9گژ(گ.

 ب ـــ حالة اخرى قال الرازي: «رأيت ذلك عرض بغتة لجارية من صداع شديد فساعة نطلت خف ما بها وكان لها ان لم تـتكلم البتة»ژ)10(گ. ويقصد انها لحظة ما مسح رأسها بالدواء بدأت بالكلام بعد ان كانت قد امتـنعت عن الكلام.

 ج ـــ وهناك قصة اخرى عالج فيها احد الاطباء العرب زوجة امير من امراء كانت مصابة بحالة فالج وظيفي اقعدها مع احتباس النطق، حيث البس الطبـيب ابنـته لباس الرجال وكأنها مساعده وطلب من الامير ان يقوم هذا المساعد بتدليك جسم المريضة في غرفة بعيدة ولوحدها رفض الامير في البداية الا انه رضخ في النهاية وقامت ابنة الطبيب بتدليك جسم الزوجة بشكل مريب ومراوغتها مما جعل المريضة تذهل عما يلجم حركات اطرافها ويعقد لسانها من اضطراب نفسي فقامت مستغيثة ولطمت بـيدها وجه الشاب وركضت نحو النافذة وهي تصرخ وبذلك شفيت وغضب الامير في البداية من تصرف المساعد الا انه لما علم الحقيقة كافأ الطبـيب وابنـته وعجب بذكائه.

 د ـــ هناك قصة مشابهة للقصة السابقة ولا نعلم ان كانت هي نفس القصة وبرواية اخرى ام انها غيرها. حيث يروي ابن سينا في كتاب «المبدأ والمعاد» في معرض حديثه عن امكان وجود امور نادرة عن النفس «حالة جارية في احد قصور السامانيـين، كانت عاجزة عن الانـتصاب، وكانت حظية عند الملك، فطلب من الطبـيـب تدبـيراً يشفي بلا مهلة فلجأ الى التدبـير النفساني فأمر ان يكشف شعرها فما اغنى، فأمر ان تكشف بطنها فما اغنى، فأمر ان تكشف عورتها فنهضت فيها حرارة قوية اتت على الريح الحادثة تحليلاً فارتجفت سليمة مستقيمة».

 ومؤدى هذه الحالة والاسلوب الذي استخدم في علاجها ان هناك عوامل نفسية تكمن وراء عجز هذه الجارية عن الانـتصاب، وان محاولة كشف عورتها كانت بمثابة الصدمة الكهربائية التي تستخدم الان لتحريك المخ ژ)11(گ.

 7 ــ استعمال الرجة او الصدمة في الامراض العقليةژ)12(گ: لمعروف ان من اهم وسائل التقدم العلاجي في هذا القرن هو استعمال الرجة او الصدمة للامراض العقلية... وقد بدأ هذا العلاج في العقد الرابع من هذا القرن... لاحظ احد الاخصائيـين في الامراض العقلية ان المرضى المصابـين في المستشفى بمرض الشيزوفرينيا لا يصابون بالصرع فتأمل الامر واستـنـتج بأن المرضين متضادان ـــ وعلى ذلك فاذا اعطي المريض دواء صارعاً فان ذلك يؤدي الى شفائه ـــ وهكذا بدأت المعالجة الصارعة للامراض العقلية، وبعد خمس سنوات استعملت الكهرباء كبديل عن الدواء الصارع لاحداث عين الغرض.

 والآن لنعد الى الطبيب الرازي فقد عثرت في الجزء الاول من كتاب الحاوي وفي معرض التحدث عن علاج المالينخوليا قوله: «... وفي باب الصرع علاج عجيب لمرضى المالينخوليا، وهو مرض اطلقه الاطباء العرب على حالات مرضية مختلفة منها الشيزوفرينيا والكآبة في مفهومها الحديث».

 8 ــ النقد للذات )ومعالجة الاعراض النفسانية كالحزن والخوف والغضب والوساوس...(: يـبدأ الاطباء وعلماء الفلسفة والاخلاق مداواتهم النفوس بالكلام في بـيان فضل العقل ومدحه والدعوة الى قمع الهوى وردعه ويطلبون من المرء ان يعرف عيوب نفسه. وجد هذا التأسيس عند الرازي في كتاب الطب الروحاني وعند الماوردي في كتابه ادب الدنيا والدين وابن حزم في كتابه الاخلاق والسير في مداواة النفوس وابن مسكويه في كتابه تهذيب الاخلاق.

 وهم يـرون في بـيان ذلك، على حد تعبـير الرازي «اعظم الاصول» لما يريدونه، وهذا طبـيعي لانه لا سبـيل الى مداواة نفس الانسان العاقل بــازالة امراضها الا على اساس من التبصر والمعرفة بأمور هامة من القيم التي يعقلها الانسان ويؤمن بها.

 وكلام هؤلاء الاطباء والعلماء كثير ومتـنوع، وسنذكر نماذج من مداواتهم لبعض آلام النفوس وامراضها.

 أ ــ آراء ابي زيد البلخي في رياضة الانفس واعادة الصحة الى النفسژ)13(گ: يتحدث البلخي عن طريقة حفظ الصحة للنفس بأنها تكون بصيانـتها عن المؤثرات الخارجية التي يسمعها الانسان او يـبصرها فتقلقه وتضجره وتحرك فيه اعراض الخوف او الغضب وعن المؤثرات الداخلة فيه مثل التفكير فيما يؤدي الى تلك الاعراض التي تشغل قلبه وتشتت فكره. ويذكر البلخي للتخلص من ذلك طريقتين:

 اولاً: على الانسان «ان يشعر قلبه وقت سلامة نفسه... ما اسست عليه وجبلت عليه احوال الدنيا في ان احداً لا يصل فيها الى تحصيل ارادته ونيل شهواته على سبـيل ما يتمناه ويهواه من غير ان يشوب ذلك ليستطيع احتمال ما هو اعظم».

 ثانياً: وعلى الانسان «ان يعرف بنية نفسه ومبلغ ما عندها من الاحتمال للامور الملحة الواردة عليه، فان لكل انسان مقدارا من قوة القلب او ضعفه وسعة الصدر او ضيقه».

 «والانسان اذا دبر اموره بحسب ما يطيق فانه يصل الى سلامة النفس وراحة القلب، وان فاته الكثير من الآمال والرغائب التي يركب البعض لاجلها المخاطر ويغرر بنفسه وينـتهي الى ضيق الصدر وقلق النفوس والضرر في البدن.

 اما عن اعادة الصحة الى النفس، فانه يكون بتسكين هياجها،... والانسان لا يستطيع ابداً ان يحفظ على نفسه سكونها بحيث لا يهيجها هائج من الاعراض النفسانية لانها من دنياه في دار هموم واحزان ومحل نوائب ونكبات، ولا يزال يرد عليها من حوادث الامور ونوازل الخطوب ما يقع بخلاف محبته وضد ارادته. ولذلك يجب على المرء في مصالح نفسه ان يتعهدها حتى لا يهيج بها شيء، واذا هاج منها شيء بارد بتسكينه، وكذلك معالجة النفس... انما يكون بشيء روحاني يجانسها...».

 «معالجة النفس... اما ان تكون بشيء من داخل، وهو فكرة يثيرها الانسان من نفسه فيقمع بها ذلك العارض ويسكن الهائج، واما ان تكون بشيء من خارج، وهو كلام يعظه به غيره فينجع فيه ويعمل في تسكين الهائج واصلاح الفاسد من قوى نفسه».

 فالدواء من الخارج بالعظمة والتذكير والاقناع قد يكون انجع واعظم تأثيراً «لان الانسان اولاً: يقبل من غيره اكثر مما يقبل من نفسه، وذلك ان رأيه في كل الاحوال مغلوب بهواه، واحدهما ممتـزج بالآخر.

 ثانياً: ان الانسان في وقت اهتياج عارض من الاعراض النفسانية به مشغول بما يقاسيه من ذلك العارض مقهور على عزمه ورأيه مفتقر الى من يلي عليه تدبـير امره».

 «ومع ذلك لا يستغني الانسان في مداواة نفسه عن وصايا فكرية يجمعها في نفسه في وقت صحتها وسكون قواها ويستودعها قوة الحفظ في ذات نفسه ليخطرها على باله ويعظ بها نفسه اذا لم يكن عنده واعظ وذلك كما يحتفظ المحتاط في الاعراض البدنية بأدوية يودعها في خزائـنه ليتـناولها اذا عرض له اذى بدني ولم يكن بقربه طبيب» )ص 281 ـــ 287(.

 والامراض التي يريد طبـيـبنا معالجتها في كتابه هي: الغضب، الخوف، الفـزع، الحزن، الجزع، وسواس الصدر واحاديث النفس والمقام يضيق عن وصف العلاج لكل منها.

وسوف نختار هنا علاج البلخي لوسواس الصدر واحاديث النفس والتي يقول عنها بأنها من اقوى العوارض تأثيراً على الانسان.

  ومما يختص به اصحاب الوساوس الرديئة انهم يصيرون ضحايا سوء الظن في امور انفسهم، فيخافون مما لا خوف منه، واذا عرض لهم امر له وجهان تصوروا ما هو اصعب واخوف دون ما هو اسهل وارجى، وذلك حتى في الامور الخاصة بأبدانهم، فهم لا يميلون الى حسن الرجاء والامل في السلامة.

 يوصي طبـيبـنا من تعرض لمثل هذه الوساوس ان يجد في التخلص منها كما يجد في التخلص من الآفات البدنية «وان يؤمن بأن اللّه تبارك وتعالى جعل لكل داء يعرض للابدان والانفس دواء» واذا قوبل الداء بدوائه فانه اما ان يزيله بتمامه، جسمياً كان او نفسانياً، وأما ان يقلل من غائلته او زوال بعضها خير من بقاء كلها وتركها تـتمادى في الازدياد...

 والادواء النفسانية تـتداوى «بالاسبقية النفسانية» وهي تـتلخص في المواعظ والفكر، وهو يحاول ان يصف العلاج لدفع الوسواس.

 هناك علاج من خارج النفس، وهو ان يتجنب المريض الوحدة والانفراد، لكيلا تـتسلط عليه وساوسه لأن الوحدة «تهيج على الانسان الفكر واحاديث النفس» «واستحب للانسان ان يكون معاشراً للناس مشتغلاً بمحاورتهم» )ص 337(.

 وعلى المبتلى بالوسواس «ان يتجنب الفراغ، فانه نظير الوحدة في مضاعفته... فمتى لم يكن له شغل في الخارج مالت نفسه الى الاشتغال بشيء من داخل، وهو التفكير... اما الوسائل التي يمكن ان يستعين بها المريض من داخل ذاته فمنها ان يعد فكراً يقاوم بها وساوسه فيصدر كمن يحاج خصماً له...

 ويجب ان يكون على بال الانسان دائماً ان الكثير مما يروعه ويخيفه... كالكوارث والاوبئة والحروب، ربما لا يصل اليه شيء منها، وانما هو سوء ظن ناشئ عن حالة بدنية عليه ان يطلب علاجها او من وسواس «الشيطان المتكفل بالاضرار به في اسباب اولاه وأخراه». واذن فليصرف تفكيره عما لا محصول له. وليجاهد الهواجس «بقوة عقله».

 ومما يستطيع به الانسان ان يطرد الهواجس وسوء الظن ان يعلم ان اللّه تبارك وتعالى جعل لكل حال خلقا من الكائـنات الحية من صلاح او فساد اسباباً ومقدمات «وان هذا هو الاصل، فاذا تحرز الانسان من الآفات التي تأتي من الخارج ودبر امور حياته في غذائه وسائر اموره فانه يحيا سليماً الى المدة المقدرة له.

 والبلخي يريد ان يـبعث الثـقة في نفس الانسان وان يفتح له ابواب الامل والتفاؤل.

 ب ــ آراء ابن مسكويه في علاج الامراض النفسية: لقد طرح ابن مسكويه آراءه في العلاج النفسي عندما استعرض بعضاً من الحالات النفسية الشاذة )كالتهور والجبن والافتخار والمراء واللجاج والتيه والاستهزاء والغدر والحسد وحب الانـتقام والغضب مبتدئاً بأسبابها ثم كيفية علاجها، ومن بـين تلك الحالات نذكر:

 الخوف: وهو على احدى حالتين:

 الاولى: هو ما كان سببه سوء اختيارنا وجنايتـنا على انفسنا. وهو لهذه الحالة يحدد علاجاً مناسباً بقوله: «ينبغي ان نحترز منه بترك الذنوب والجنايات التي نخاف عواقبها، ولا نقدم على امر لا تؤمن غائلته»ژ)14(گ.

 إذ تفسر حاليا بأنها حالة انفعالية داخلية طبـيعية يشعر بها الانسان في بعض المواقف، ويسلك فيها صاحبها سلوكاً يـبعد عادة عن مصادر الضررژ)15(گ.

 الثانية: هو ما يعرض من توقع مكروه وانـتظار محظور... والتوقع والانـتظار يكونان للحوادث في الزمان المستـقبل وهذه الحوادث يمكن ان تكون على الاوجه التالية:

 الحوادث الممكنة وهي بالجملة مترددة بـين ان تكون وبـين ان لا تكون لذا يجب ان يفكر فيها، بأنها ستكون فيشعر الخوف منها ويتعجل مكروه التألم بها وهي لم تقع بعد ولعلها لا تقع اما الاوجه الاخرى فهي الحوادث الضرورية... وتشمل الهرم وما يرتبط فيه من مصاعب، فعلاج الخوف منه ان نعلم ان الانسان اذا احب طول الحياة فقد احب لا محالة الهرم الذي قد ينـتج عنه، قلة الحركة وبطلان النشاطژ)16(گگ.

 واذا ما عدنا الى ما يقدمه علم النفس المرضي حالياً فانه يحاول تفسير الحالة الثانية من الخوف بأنها حالة القلق النفسي الذي يتضمن شعوراً بالتهديد من شيء غير واضح المعالم في العالم الخارجيژ)17(گ. او بمعنى اخر انفعال مركب من الخوف، وتوقع الشر والخطر او العقاب يختلف عن خوف من خطر محتمل غير مؤكد الوقوع، وخوف من المجهول وكذلك لانه انفعال مؤلم نشعر به حين لا نستطيع القيام بشيء تجاه موقف مخيف يتهددنا بالخطر وعلاجه يقرب من الفكرة التي قدمها ابن مسكويه اذ يقوم الاخصائي بطمأنة المريض وتفسير علاقة ظروفه وانطباعاته بحالة مرضية حتى تصبح مفهومة لديهژ)18(گ.

 الحـزن: يعرف ابن مسكويه الحزن بأنه الم نفسي يعرض لفقد محبوب او فوت مطلوب، وسببه الحزن على المقتـنيات المادية والاستـزادة من الشهوات البدنية والحسرة على ما يفقده منها ولعلاجه يجب ان نعلم بأن جميع ما في عالم الكون غير ثابت ولا باق وان لا نطمع في المحال، ومن كانت حالته هذه فسوف لا يحزن لفقد ما يهواه ولا لفوت ما يتمناهژ)19(گ.

 وترتبط حالة الحزن التي فسرها ابن مسكويه بحالة الكآبة النفسية التي تضم شعوراً باليأس لأي فقدان او تهديد بالفقدان مثل حالة وفاة في الاسرة او ضائقة مالية او فشل في الدراسةژ)20(گ.

 ج ــ رأي ابن هبل في علاقة الجـن بمرض المالينخوليا: يقول ابن هبل: «وقد ذكر بعضهم ان الماليخوليا يكون عن الجن بأن يخالطوا الارواح فيغيروا مزاجها، الا انا نحن نرى الانسان يتغير مزاجه فنقصد علاجه ونروم صلاحه سواء كان تغير المزاج عن الجن او الخلط، ولما يذكر عن الجن نظائر يتوقف العقل عن تكذيـبه وتصديقه لعسر الوقوف على السبب الموجب في الروح الكدودة والظلمة مع سوء المزاج»ژ)21(گ.

 9 ــ ابن سينا والتحليل النفسي: لقد اتخذ ابن سينا التحليل النفسي اسلوباً جديداً من اساليب العلاج الطبـي وقد مارسه ممارسة ناجحة ويظهر ذلك جلياً في القصة التى رواها العروضي السمرقندي انه عرض على ابن سينا، ابن اخت شمس المعالي قابوس وقد اعيا الاطباء امره، فلما رآه ابن سينا وخاطبه، تبـين ان مرضه الحب ـــ واعراض هذا المرض شبـيهة بأعراض الكآبة ـــ وبمقارنه ازدياد سرعة نبضه عند ذكر الزقاق والدار التي تسكن بها محبوبته استـنـتج اسمها وامر بتـزويجها له فشفيژ)22(گ.

 ومن الواضح من هذه الرواية ان ابن سينا استعمل طريقة التحليل النفسي للوصول الى سبب الانفعال الوجداني وما اتصل به من عاطفة كامنة كما انه استعمل الطريقة ذاتها كوسيلة علاجية، وبهذا طريقته قريـبة تمام القرب الى الطريقة الحديثة في العلاج والتحليل النفسي كما ان ابن سينا سعى بطريقته الى اثارة انفعالات جسمية، واستدل منها على وجود ارتباط سببـي بـين التغيرات الجسمية )تسرع النبض( وبـين ورود العامل المسبب لها. وبهذا يكون ابن سينا على بعد زمانه عن العصر النفسي المعاصر قد ادرك عدة مبادئ وقواعد اساسية في علم النفس في النواحي الديناميكية التشخيصية والتحليلية والعلاجيةژ)23(گ.

 10 ــ العقاقير في علاج الامراض العقلية: لقد ذكر الاطباء العرب التفاصيل اللازمة لاعداد العلاجات اللازمة هنا والكمية المناسبة لكل عشب من الاعشاب وطريقة الاستعمال ووقت تناولها فقسموها الى ادوية صالحة للعلاج الكلي وادوية صالحة للعلاج الجزئي. وذكر ابن عمران اجمالاً الدواء الذي يصلح لكل صنف من اصناف المالينخوليا وصنفها حسب نوعيتها. واستعمل الادوية المستخرجة من الافيون وغلف الخشخاش في الحالات الخطرة من المالينخوليا كالسرسام والمعروف ان هذه الادوية كانت تستعمل الى عهد قريب من المالينخولياژ)24(.

 نكتفي بهذا القدر علماً بأن هناك وسائل اخرى مثل الترفيهية والعلاج بالموسيقى افردنا لها مقالاً مستقلاً.

الهوامش

)1( الدكتور رمزي مفتاح: احياء التذكرة ص 47 .

)2( جرجس، د. صبري: من الفراعنة الى عصر الذرة ص 27 .

)3( الرازي: الحاوي ج2 ص 129

)4( ابن ابـي اصيـبعة: ج2 ص 297 .

)5( عمار، د. سليم: حول مقالة اسحاق بن عمران ـــ مصدر سابق.

)6( الرازي: الحاوي ط2، ج1، ص 123 .

)7( مقال الدكتور علي كمال، ص 37 .

)8( للاطلاع على القصة بكاملها يراجع كتاب جهار مقالة، )مصدر سابق( ص 85 .

)9( للاطلاع على القصة بأكملها يراجع كتاب: طبقات الاطباء: ابن ابي اصيـبعة ج1 ص 127 .

)10( الحاوي: ج1، ص 258 .

)11( عيسوي: د. عبد الرحمن ـــ الاسلام والعلاج النفسي الحديث ـــ دار النهضة العربـية للطباعة والنشر ـــ بـيروت، ص 102 .

)12( مقال الدكتور علي كمال: ص 40 ـــ 41 .

)13( ابو ريدة: الدكتور محمد عبد الهادي ـــ الصحة البدنية والنفسية في الاسلام ـــ بحث قدم للمؤتمر العالمي الرابع للطب الاسلامي 1986 ص 647 ـــ 648 .

)14( ابن مسكويه: تهذيب الاخلاق، دار الكتب العلمية ـــ بـيروت ط1، 1988، ص 171 ـــ 172 .

)15( د. محمد الزيادي: اسس علم النفس العام ص 348 ـــ 479 .

)16( المصدر نفسه.

)17( المصدر نفسه.

)18( د. علي كمال: محاضرات الصحة النفسية للسنة الدراسية 64 ـــ 1965 .

)19( ابن مسكويه: تهذيب الاخلاق، )مصدر سابق( ص 180 .

)20( د. محمود الزيادي: اسس علم النفس العام.

)21( البغدادي، مهذب الدين ابن هبل: كتاب المختارات في الطب الطبعة الاولى ـــ حيدر آباد الدكن، السنة 1363هـــ، ج3، ص 40 .

)22( تفاصيل القصة في جهار مقالة: للعروضي السمرقندي.

)23( د. علي كمال: كتاب النفس انفعالاتها وامراضها وعلاجها ص 349 ـــ 350 .

)24( د. سليم عمار: د. شمس الدين حمودة: حول مقالة ابن عمران في المالينخوليا بحث قدم لمؤتمر اتحاد الاطباء العرب، تونس 22 ـــ 24/10/1979 .